الى الاعلى
  • النظـــرة للمعلّــــم ينبــــغي أن تكون نظرة تجليل وتكريم "الامام الخامنئي"

الأسرة الطيبة؛ زواج النورين انموذجا


الأسرة الطيبة؛ زواج النورين انموذجًا

 

الشيخ د. محمد باقر كجك[1]

 

مقدِّمة

تشكّل الأسرة في فكرنا التربوي، العنصر الأهم في تأسيس مجتمع الحياة الطيبة الذي من شأنه في اتباعه للوحي السماوي، أنْ يكون في مقام الخلافة الإلهية والحياةِ في ظلِّ القرب الإلهي، الهدف الغائي الأسمى للحياة الإنسانية. إنّ الأسرةَ، هي الحاضنةُ الأولى للإنسان، ذلك المخلوق المكرم من قبل الله تعالى بالعقل بالوحي وباحتوائه على النشاتين المادية والمعنوية، وبأنه يحملُ في قابلياته وملكاته القدرة على الوصول إلى كافة مقامات الإنسان الكامل ومقام "وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا" البقرة/31. وإنَّ شرف المحمول بشرف موضوعه، وشرف الأسرة من شرفِ ما تنتجه، أي الإنسان الكامل، خليفة الله تعالى.

 

لذلك نفهم ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله، بأنّه "ما بني بناء في الإسلام أحب إلى الله عزوجل من التزويج"[2]، وقوله: " ما استفاد امرؤ فائدة بعد الإسلام أفضل من زوجة مسلمة تسرّه إذا نظر إليها وتطيعه وتحفظه إذا غاب عنها في نفسها وماله"[3]، من حيثُ أنَّ الخطوة الثانية التي ينبغي أن تتلو الاعتقاد بالله تعالى، والتسليم له، هي في البدء بالتاسيس للحياة الزوجية الضرورية لكمال الدين وإتمام النعمة على الإنسان المؤمن والمجتمع الإيماني.

 

لقدْ اهتمّ الإسلام بالأسرة وشرّع له مجموعة واسعة من الأحكام  الشرعية، ونظم لها كلّاً متكاملاً من القيم الأخلاقية والسلوكية، والتدابير والاجراءات العملية، والحقوق والواجبات، بحيثُ أن الباحث في النظام الإسلامي، يدركُ أن شدّة اهتمام المشرّع الإسلامي بكافة حالات الأسرة والعلاقات التي تنتجها والروابط التي تعتمل فيها، وتقديمها تشريعات تفصيلية جدا ودقيقة للغاية، يدل ذلك على المقام العالي للأسرة في الإسلام. ومن هنا، فإن تخصيص الأسرة بذكرى سنويةٍ، ترتبط بذكرى زواج النورين، الإمام علي عليه السلام، والسيدة الزهراء عليها السلام، من 26 ذي القعدة إلى 1 "ذي الحجة"، لا بدّ وأن تكون فرصةً هامةً للشباب المسلم والأسرة الإسلامية، لإعادة النّظر في قضايا الأسرة، والزواج، وفقَ هذا النموذج الإسلامي العظيم الذي قدّمه لنا رسول الله (ص) ورعى بنيانه منذ اللحظات الأولى لنشوئه، وحتى اللحظات الأخيرة لوفاته صلى الله عليه وآله. فأسرة علي وفاطمة (ع) بحق، هي نموذجٌ نبويٌّ عظيم، مشغول بيدي  الوحي السماوي، وإشراف رسوليٍّ خاتمٍ لا نظير له.

 

فيما يلي نقاطٌ رئيسةٌ مشتقة من زواج النورين عليهما السلام، ندعو من خلالها الشباب المؤمن والرسالي، إلى التفكّر فيها والتأسيس من خلالها لمنطقٍ إسلامي أصيل في ما يخص قضايا الزواج والأسرة.

 

 

أولاً: النموذج الشبابي الأصيل

إنّ السيرة النبوية تذكرُ بدقّة متناهيةٍ، الظروف التي هُيئت من أجل زواج فاطمة (ع) وعلي(ع)، إلا ان المهم هنا هو التأكيد على اهتمام الرسول الأعظم(ص) بتزويجهما وهما في سنٍّ مبكرةٍ مناسبةٍ للزواج. حيثُ يأتي هذا الفعل المعصوم من قبل النبي، والاستجابة المعصومة من قبل السيدة فاطمة والإمام علي عليه السلام،  كتطبيقٍ تأسيسيٍّ للغايات العظمى للاسلام، والقيم الدينية والأخلاقية الخاصة بالعلاقة بين الجنسين. وعلى رأسها، الزواج في سنّ الشباب، الذي كان يدعو إليه رسول الله(ص). حيثُ نجد أنّه يقول فيما روي عنه: "قال رسول الله صلى الله عليه وآله يا معشر الشباب عليكم بالباه فان لم تستطيعوه فعليكم بالصيام"[4]، وكذلك: "مِن بركة المرأة سرعة تزويجها"[5]، وأيضاً: "شراركم عزابكم، ركعتان من متأهل خير من سبعين ركعة من غير متأهل".. وغيرها الكثير.

 

إذن، التبكير في الزواج، هو سنّة نبوية، وفعل علوي، وسلوك فاطمي، ولم يذكر لنا التاريخ، أنّ هذا الزواج الذي حصل في بدايات سن الشباب عندهما عليهما السلام،قد جرّ على أسرتهما الشقاء والخراب، كما يتم الترويج له في الثقافة المعاصرة. بلْ، إنَّ الانجازات الكبرى التي قامت به هذه الأسرة الشريفة، بكافة أبنائها وبناتها، تنبئ عن أثر تحمّل المسؤوليات المبكرة في شخصية الشاب والفتاة، على القيام بمهام تربوية جليلة في تنشئة أطفالٍ يمكن لهم أن يكون عظماء وقدوة.

 

لذلك، فإن النموذج الشبابي الأصيل الذي قدمه زواج النورين، يؤكد على أهمية: الترويج للزواج المبكر في سن مناسبة، وعلى أنَّ هذا الزواج يمكنُ له يسير وفق قواعد التربية الإيمانية والإسلامية للإنسان والأسرة والمجتمع، ويمكن له أن ينجح نجاحاً منقطع النظير. وكذلك، يؤكد على ضرورة قيام الشباب بدراسة أسباب هذا النجاح، دراسة عقلانية وعلمية، من أجل استخلاص قواعد النجاح في الحياة الأسرية للزيجات الشابة وفق النموذج الإسلامي الأصيل للأسرة الشابة كما قدمها الإمام علي وفاطمة عليهما السلام.

 

 

ثانياً: التكافؤ بين الزوجين في نموذج زواج النورين

ورد في الروايات الشريفة أن الوحي جاء إلى رسول الله (ص) وقال له  "يا محمد إن الله جل جلاله يقول: لو لم أخلق علياً لما كان لفاطمة ابنتك كفوٌ على وجه الأرض..الخ"[6]، وأمثال ذلك من الروايات.

 

تشير هذه الروايات، إلى أمور عدة، لكنْ أبرزها أنّها تؤكّد على معطىً هام جدا في الزواج، وهو معطى التكافؤ بين الزوجين. فالزواج الناجح، هو الزواج الذي يكون فيه الزوجان على مقدار وازنٍ من التناسب والتكافؤ، من حيث القابليات والملكات والاستعدادات النفسية والمعرفية والسلوكية، فضلا عن الاجتماعية. ولذلك، نجدُ أنَّ فاطمة التي كانت في سنٍّ أصغر من علي عليه السلام بعشر سنوات تقريباً، تكافؤه في الصفات والقابليات. إذن، وهذا مؤشر هام جداً، خصوصا للشباب المقبل على الزواج، على ضرورةِ البحثِ  عن نقاطِ توازن في الشخصية، والاعتماد على وجود إمكانات شخصية ومعنوية في شخصية الزوجين. وقد يحتاج هذا الأمر، إلى تدخل خبير، أو استشارة من يملك القدرة على الحكم، أو الاكتفاء بتقدير الفردين المقبلين على الزواج.

ولذلك، ينبغي هنا التاكيد على التالي:

  • العمل على نفي المرتكزات الشائعة في أذهان الكثيرين، بأنَّ الزواجَ في عمر مبكر مناسبٍ، يتنافى مع وجود الصفات الضرورية لنجاح الزواج، بل إنّ هذه الصفات يمكن تعزيزها وإحداثها بالتربية والتوجيه أو بالانتقاء والاستشارة. وبالتالي، فإنَّ فرصةَ وجود التكافؤ بين الزوجين هو أمرٌ هام وضروري، وينبغي التأكيد عليه كمبنى أصيل في عملية التعارف والتزواج بين الشباب.

  • إن مفهوم الكفؤ، يعني ضرورة أن لا يتعجّل الشباب في الانتقاء بناء فقط لوجود انجذاب عاطفي للطرف الآخر مثلاً، أو لمصلحة ما. بل هذا المفهوم الإسلامي الأصيل، ينبئ عن أهميّة اعتماد طرقٍ عقلانية في التفكير بأنحاء هذا التكافؤ المطلوب وجوده ليس عند الزوجة فقط، بل عند الزوج كذلك. ومن هنا يمكن استشرافُ أنَّ العديد من المشكلات الزوجية والتربوية، هي نتيجة الخلل الذي لا يلتفت إليه الشابان في بدايات الاقبال على الزواج فيما يخص قضية عناصر التكافؤ المطلوب وجودها في الزوجين، والتي هي عليها العماد في استقرار وتقدم الحياة الزوجية والعلاقة بين الزوجين.

 

 

ثالثاً: النموذج الشبابي، تحويل التهديد إلى فرصة

يُظهر هذا النموذج الإسلامي الأصيل لزواج النورين، أنَّ التحديّات التي واجهتها هذه الأسرة الشبابية الإسلامية، كانت متنوعة ودقيقة. خصوصاً في الجانب المادي للحياة الأسرية. فقد ورد عن الإمام الصادق (ع) أنّ أمير المؤمنين (ع) جاء بالدراهم وسكبها في حجر رسول الله (ص) فقبض منها قبضة، وكانت ثلاثة وستين أو ستة وستين. وكانت ثمن درع الإمام (ع) فأعطى أم أيمن لمتاع البيت، وأسماء بنت عُميس للطيب، وأم سلمة للطعام، وأنفذ معهن عمّار وأبا بكر وبلال ليبتاعوا ما يصلح للبيت من باقي الأثاث، ومن ذلك: "قميصٌ بسبعة دراهم ، وخمارٌ بأربعة دراهم، و(عباءةٌ) قطيفةٌ سوداءٌ خيبريةٌ، وسريرٌ مزملٌ بشريط[7]، وفراشٌ من خيش مصر محشوٌ بالصوف، ووسادةٌ محشوةٌ بليف النخل، وأربعةٌ مرافق من أدم الطائف محشوةٌ بـ أذخر[8]، وسترٌ من صوف رقيق، وحصيرٌ هجريٌ، ورحى اليد، وسقاءٌ من أدم، ومخضبٌ من نحاس، وقعبٌ للّبن، وشنٌ للماء، ومِطْهَرةٌ مزفّتةٌ، وجرّةٌ خضراء وخزف، ونطعٌ من أدم، وعباءٌ قطوانية، وقِربةُ ماءٍ." فقال النبي (ص): "اللهم بارك لقوم جلُّ آنيتهم الخزف"[9]. وعن يزيد المديني قال: "لما أهديت فاطمة إلى الإمام علي(ع) لم تجد عنده إلاّ رملاً مبسوطاً، ووسادة (حشوها ليف)، وجرة، وكوزاً".[10]

 

ذكرتُ هذه التفاصيل المادية للبيت الزوجي النموذجي هذا، كي نؤكد على أن هذا المتاع القليل الذي انطلقت منه حياتهم الأسرية، والذي قد يعتبره البعض من باب التهديد للسعادة الزوجية، قامَ هذا الزوجان العظيمان، بمعرفتهما الإلهية، وسلوكهما الربّاني، بتحويله إلى أداةٍ فاعلة في الحياة الزوجية السعيدة، وفي إنشاء أسرةٍ متوازنةٍ تعرفُ وتختبر قيمة الأشياء المادية ولا تضعها على رأس تصنيفات المجتمع للحياة الأسرية السعيدة.

 

إن التقييم المهم الذي يمكنُ من خلاله تشخيصُ أثرِ الضعف المادي أو الفقر المادي، على نوع السعادة الأسرية المطلوبة، نستشفه من كلام الإمام علي عليه السلام حينما قال: "فوالله ما أغضبتها، ولا أكرهتها على أمرٍ حتى قبضها الله عز وجل ولا أغضبتني، ولا عصت لي أمراً، ولقد كنت انظر إليها فتنكشف عني الهموم والأحزان"[11].

 

حيثُ يظهرُ أنّ تلك القدرة الواسعة عند الفئة الشبابية في تحمّل أثقال الزواج في مرحلة مبكرةٍ، وتربية أنفسهم على تحويل العقبات المادية الموجودة إلى فرصٍ إيمانية تسمو بالروح الإنسانية إلى أعلى المراتب، هي قدرة مذهلة ولا يمكنُ تجاوزها.

 

وبالتالي، فإنه من الضرورة التأكيد أيضاً، على أهمية نفيِ المرتكزات الذهنية الخاطئة والواهمة الموجودة بين الناس، التي تتمحور حول ضرورة ان يكون الزواج في بيئة مادية مرفهة أو شبه مرفهة وفيها الكثير من الكماليات أو المتطلبات، بحيث يتأخر الشاب في الزواج حتى يمكنَ له توفير هذه المقتضيات التي ينظر إليها المجتمع كعنصر أساس للزواج النجاح.

 

لقد دحضت أسرة عليّ عليه السلام هذه الأوهام، لكن بالسلوكيات العظيمة للإمام علي عليه السلام، من حيث كونه كان عاملاً مجداً، في الميادين التي أمكن له فيها القيام بالانتاج وتغطية نفقات اسرته، كما ذكرت لنا الروايات ذلك، وفي تدبير فاطمة عليها السلام المنزلي، وفي سيادة ثقافة وسلوك العفة والعفاف والزهد المطلوبة في الاسرة التي تمرّ بظرف اقتصادي ضعيف في بداياتها.

 

 

في الخلاصة

هذا الذي تقدّم، هو جزء من  التصور الذي نملكهُ عن النموذج الإسلامي الأصيل للزواج في الفئة الشبابية، الذي ينبغي أن تُعاد قراءته بشكل علمي وذكي ومترابط، وقائم على تقديم الحياة المعنوية على الحياة المادية بشكل متوازن ومطلوب، وقراءة نجاح هذا النموذج في ظلّ الظروف والعناصر الواقعية التي كانت موجودة. يشكّل هذا السلوك المعصوم من قبل أهل البيت عليهم السلام، نموذجا يحتذى به للشباب المسلم، بل إنّه السلوك الأصيل الذي من شانه معالجة الكثير من المشكلات الاجتماعية التي أفرزتها الحياة المعاصرة، وطبيعتها المادية المنحرفة عن جادة الطبيعة، والتراب الطبيعي للحياة الطيبة التي يريدها الله سبحانه وتعالى.

 

 

 

 

 

 


[1] أستاذ جامعي في مادة المناهج التربوية، باحث في مركز الأبحاث والدراسات التربوية، بيروت.

[2] الشيخ الطبرسي، مكارم الأخلاق،  الصفحة ١٩٦.

[3] الشيخ الكليني، الكافي،  ج 5، الصفحة ٣٢٧.

[4]  السيد البروجردي ، جامع أحاديث الشيعة، ج ٩،  الصفحة ٣٨٦.

[5]  الريشهري، ميزان الحكمة، ج ٢، الصفحة ١١٨١.

[6]  الشيخ الصدوق، عيون أخبار الرضا (ع)، ج ٢،  الصَّفحة ٢٠٣.

[7] الشَّريط: خوص مفتول يشرط به السرير و نحوه.

[8] الإذخر: حشيش طيب الريح

[9]  المجلسي، بحار الأنوار، ج ٤٣،  الصفحة ١٣٠.

[10] فاطمة الزهراء بهجة قلب المصطفى ، ص477 ، نقلا عن المناقب لأحمد بن حنبل .

[11]  العلامة المجلسي ، بحار الأنوار،  ج ٤٣، الصفحة ١٣٤.

أضيف بتاريخ :2024/06/04 - عدد قراءات المقال : 729