الى الاعلى
  • إذا قعد أحدكم في منزله فليُرخِ عليه ستره، فإنّ الله تعالى قسم الحياء كما قسم الرزق"النبي عيسى(ع)"

الشباب والعلم


نظّم مركز الأبحاث والدراسات التربوية الملتقى التربوي رقم 5 للعام 2023 وذلك عصر نهار الثلاثاء بتاريخ 15 آب 2023 م، تحت عنوان [الشباب والعلم]

 

 

بدأ الملتقى بمقدمة للأستاذ جواد قصير قال فيها:

بسم الله الرحمن الرحيم الرَّحْمَٰنُ ﴿۱﴾ عَلَّمَ الْقُرْآنَ ﴿۲﴾ خَلَقَ الْإِنْسَانَ ﴿۳﴾ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴿٤﴾.

صحيح أن الحديث الشريف يؤكد على ضرورة تحصيل العلم من المهد إلى اللحد، إلا أن من البديهي أن يكون التعلم لدى الشباب آكد وأفعل وأهم. ولا سيما في الجامعات، ف"إنّ الشاب الجامعيّ ليس من العوامّ – كما وصفه السيد علي الخامنائي-، ويكمل سماحته: علينا السعي من أجل تهيئة الجوّ الدينيّ والفضاء التربويّ والثقافيّ للطاقات والقابليّات التي يمتلكها طلّاب الجامعات" وهو ما يمكنه من تحقيق الدرجات المتميزة علمياً. وبالمقابل يتعرض الشباب عموماً والجامعي خصوصاً، لموجات من الهجمات متعددة الأساليب والمجالات بهدف وقف مسارهم العلمي وجرفهم إلى الانحراف.

 

بداية نرحب بضيفينا العزيزين الدكتور عبد الله زيعور وعبر زووم الدكتور قاسم كالوت. كما نرحب بكل الحضور في المركز والمشاهدين على صفحات البث المباشر على فايسبوك.

في الفقرة الأولى من لقائنا، سيكون معنا الدكتور عبد الله زيعور، أستاذ جامعي وباحث في علوم الفيزياء وفي فلسفة العلم. له كتب حول العلم ورؤية الإمام الخامنئي للعلم وأخلاقيات العلم وكتاب حول قصة الكون وفق رواية الفيزياء الحديثة. عمل في ملف التعليم العالي في حزب الله ويتابع عدداً من الأبحاث والدراسات العلمية والفلسفية في مجالات الدين والعلم وتطورات العلم الحديث، سيتحدث جناب الدكتور عن الشباب وفرص التميز العلمي، ويجيبنا على الأسئلة الآتية:

- كيف ينظر الشباب اليوم إلى التحصيل العلمي؟

- إلى أي حد يمثّل العلم اليوم قيمة عليا بالنسبة للشباب؟

- هل تحضر فكرة التميّز العلمي لدى الشباب اليوم؟

- كيف يمكن تعزيز فرص التميز العلمي في قبالة العقبات المطِّردة أمام الشباب؟

 

ننتقل إلى الفقرة الثانية مع الدكتور قاسم كالوت، أستاذ مساعد، مدرّس مادة منهجية البحث العلمي وعدة مواد تخصصية في علمي اجتماع التربية والعائلة في مرحلة الماجستير في معهد العلوم الاجتماعية في الجامعة اللبنانية، ومدير لثانويتي المصطفى حارة حريك ومن ثم النبطية منذ سنوات طويلة، وأشرف على عشرات أبحاث تخرج الماجستير، وسيتحدث عن الشباب بين المسار العلمي وموجات الانحراف، ويجيبنا على الأسئلة الآتية:

- إلى أي حد يعيش الشباب اليوم صراعاً بين إكمال الدراسة من عدمها؟

- أين أولويات الشباب اليوم على مستوى بناء الذات بين تحصيل العلم والبحث عن بدائل ولو منحرفة؟

- لماذا باتت فرص الانحراف اليوم مشرّعة أمام الشباب؟ وهل تسرق منهم فرص التحصيل العلمي؟

- كيف يمكن التصدي لهذه الموجات وتعزيز ثقافة مجتمعية هادفة؟

 

تبِعَ هذه المقدمة إطلاع الحضور على نتائج استطلاع حول الشباب والعلم أجرته مديرية الدراسات الميدانية في المركز على عينة من الشباب، حيث توزعت النتائج كالآتي:

  • 55.8% إناث و 44.2% ذكور.
  • أمّا أعمارهم: 54.5% تحت عمر 26 سنة و45.5% فوق عمر 26 سنة.
  • مستوى التحصيل العلمي: 32.4% ثانوي وما دون، 67.6% دراسات جامعية وعليا.
  • هل لا تزال تتابع دراستك: 51.5% نعم، 49.5% كلا.
  • أبرز سبب للتوقف عن الدراسة 38.9% عدم وجود قدرة مادية.
  • أبرز هدف من التحصيل العلمي 89.8% المساهمة في تطوير المجتمع.
  • أبرز سبب للتميز العلمي هو 46.6% هدف أسعى لتحقيقه.
  • أبرز وسيلة لتعزيز فرص التميز 90.2% تقديم الدعم المالي للطلاب.
  • في استكمال دراستك وتحصيلك العلمي، أبرز صعوبة واجهتك 78.8% الوضع الاقتصادي/المالي.
  • تؤدي الصعوبات التي يواجهها الشباب في تحصيلهم العلمي، أبرز نتيجة 88.9% الإتجاه نحو العمل.

 

 

المداخلة رقم 1: الشباب وفرص التميّز العلمي (د. عبد الله زيعور /لبنان)

بدأ د. زيعور مداخلته بالآتي: انطلاقًا من حولنا ومن واقعنا المجتمعي المعاصر فثمّة ظروف عدّة منعت الشباب من المراهنة على العلم، منها الأزمة الاقتصادية والمعيشية القائمة، وما سبقها من تجربة الكورونا، فصار الأمان مع الأسف بغير تحصيل العلم والتميز به لدى البعض، بات كل المجتمع أمام تحديات البقاء والعيش بكفاف، تراجع الدافع للتميز العلمي لدى الشباب، لم يعد المجتمع يعول على التمييز العلمي، فكان السؤال ولا زال، هل يُخرج العلم شباب اليوم من أزمته؟ رغم كل ذلك كان العلم للبعض وسيلة للحصول على الشهادة، التي تفتح الباب أمام العمل الوظيفي أو المهني، ثم وسيلة لتأمين تكاليف العيش، بالمقابل كانت كل الظروف معاكسة للشباب لكي يحصل على علومه، تكاليف التعليم، الأونلاين، الإضرابات المستمرة، وكانت الدولة في كل ذلك مستقيلة من أوجب واجباتها، تأمين ظروف التعليم والكسب العلمي في مختلف مراحله، هذه الوقائع كلها لم تكن لتساعد على إعلاء قيمة العلم لدى الشباب الصاعد، وكان على الشباب أن يواجه الواقع بمفرده، بغياب كل عناصر الدعم والمساندة على إلتماس العلوم، يعني الدولة، المؤسسة التربوية، الأستاذ والأهل، المجتمع والأمة، وهنا نذكر أننا لا نعجب عندما نرى أن أقل الشعوب قراءة واستهلاكا للكتب في العالم هم العرب، وأفضل الكتب المعرفية لا تتجاوز الألف نسخة، وتنتظر أحيانا سنوات طويلة لكي تباع، فيما تدل تجارب الأمم، إن تحصيل العلم وإجراء البحوث والإبتكارات من أفضل القطاعات الإستثمارية التي يمكن المراهنة عليها في التغيير وبناء المستقبل، يعني بمعنى كل قرش يُصرف على العلم إنما هو سيلاقي حتمًا خياراته مع المستقبل في الأجيال القادمة للشباب، إن مسؤولية ربط الشباب بالعلم هي مسؤولية دقيقة وعظيمة، وهي مسؤولية متعددة الوجوه، فالتعليم لا يضخ للسوق شبابًا كأصحاب مهن، بل مواطنين منخرطين في الحياة الاجتماعية، وبناء عليه لكي ينبغي أن نبدأ بالإنطلاقة السليمة، فنبدأ مع اعتبار التعليم النوعي وصولاً إلى التميّز هو في الأصل مهمة الدولة ومؤسساتها، على ما نعلم أن الدولة للأسف تتصرف وكأنها مستقيلة من هذه المهمة، وهي أوكلت بها منذ القرنين المنصرمين التاسع عشر والعشرين وحتى اليوم إلى عدد من الجامعات الخاصة، بغياب الرقابة اللازمة التي نصت عليها القوانين، إن تميز الشباب بالعلم أمر متيسّر رغم الصعاب والخير في عزيمة الشباب، وإننا من المؤمنين في تميز كل شاب في ميدان أو اختصاص ما، لكن سوء التوجيه هو ما ينتج ضياعا لدى الشباب المتعلم، ولو أحسنا اكتشاف الجانب الخاص الذي يتميز به الشاب، لكنا فعلا في مرحلة نهوض واقتدار عبر شباب طموح ومقتدر وعارف لما يريد، وحيث أن مشروع الشباب ومشروع التميز العلمي لديهم هو مشروع أمة، فعلى الجميع أن يتعاضد نحو الهدف، وهذا يبدأ بأن نعلم الشاب بأن مشاركته بحمل راية العلم، وصولا إلى التميز العلمي إنما هي هدف وطني، وهي مشاركة بمشروع الأمة كلها نحو النهوض، وتكبر هذه المسؤولية وهذه المشاركة عندما تكون الدولة فاشلة في تبني الطاقات وفي الخدمات، وبغياب دولة القدرة والعدالة، كما علينا إفهام الشباب أن تقدم مجتمعه وعائلته وذاته مرتبط بما يساهم به من تحصيل علمي وصولا إلى التميز العلمي.

 

إنّ على أساليب التعليم أيضًا أن تتجاوز أسلوب التلقين، وأن تذهب نحو تعليم الشاب كيف يفكر، فزمن التلقين قد انتهى، ودماغ الشاب ليس كيسا نحشو به المعلومات كما نريد، كما ان ثمة مسارًا موازيًا للتحصيل العلمي والتميز العلمي، هو زرع القيم العليا لدى الطالب الشاب، لضمان عدم الأخذ بالعلم نحو سلب الهوية ولحماية العلم من نفسه، فمعلوم ان سلاح العلم ذو حدين، لصالح البشرية أو قد يكون دامرا شاملا للبشرية، وهنا تبرز قيمة ومسألة زرع الأخلاقيات العلمية في عقل الطالب الشاب وتثبيت أخلاقيات كل مهنة يختارها لاحقًا، وحيث أن معضلة العلم أنه لا هوية له، فإن الدين يملأ الفراغ الذي يقود إليه العلم، فالدين يكمل العلم، وبالعلم يتعزز الإعتقاد بالخالق، أصل الوجود والقوة المطلقة والمرشدة لعمل الكون من الزاوية العلمية، وهذه القيمة يجب أن نرعاها في عقل الشباب من قبل في المنزل مع الأب والأم، ثم في المدرسة، وصولا إلى الجامعة، كما أن أيضا من محاذير الإكتفاء بالعلم دون الأرضية العقائدية وهو أي العلم القاصر بالدفاع عن نفسه، من محاذير الإكتفاء به هو تسلل دعوات براقة، يدس فيها السم في العسل، ومنها الدعوة إلى الإعتراف بالآخر، وقبول الجار، والتربية على السلام، لتصل كلها إلى هدف واحد رعاية وتنفيذ فكرة القبول بالكيان الصهيوني المؤقت، وتقديمه كدولة محبة للسلام ولها حق الوجود والإعتراف، يعني من فضاء العلم تتسلل هذه المعايير وهذه الأفكار الشريرة لتصل إلى مستوى التشريع التطبيعي مع الكيان الصهيوني. إن تاريخ أمتنا في مقلب آخر يؤكد أن الإستعمار مستعينا بسلاح العلم والتكنولوجيا قد استباح كرامة الأمة ونهب ثرواتها وارتكب المجازر، وهو لا يزال مستعينا بتفوقه العلمي، حيث يعمد إلى فرض ثقافته وهويته، فبالإستقواء بالعلم وباستعمال العلم يعمل العدو من خلال ذلك لفرض ثقافته وهويته، وهو يريد من الأمة أن تكون استهلاكية، تستهلك منتجاته ولا تفكر، وبلا قيمة تحفظ كرامتها، ويعطي لنفسه الحق في الحرب الإستباقية متى ما استشعر شروطها، ومن زاوية أخرى العلم لدى العدو الصهيوني مسألة استراتيجية (ولا بأس أن نستفيد من الكيان الغاصب في طريقة التفكير هذه)، فالعلم مسألة استراتيجية تتقدم على سائر أولويات البقاء لكيان الإحتلال، والعلم أساس من أسس مجتمع الكيان الغاصب، لدرجة أن بن غوريون أحد مؤسسي هذا الكيان، وخلال افتتاحه للجامعة العبرية في فلسطين المحتلة قال الكلمة الشهيرة "الآن قامت الدولة"، أي مع قيام الجامعة تقوم الدولة.

 

عندما يفهم شباب الأمة هذه الحقائق، أين أعداؤنا منا ومن أمتنا، وبأي سلاح يتم تركيع الأمة، فإننا نفهم كلام الإمام الخامنئي (دام ظله) أن حيازة العلم والعمل به هو ركن من مشروع النهوض والإقتدار للأمة، ونعلم أن مقدار الجهد الملقى على عاتقنا وعلى عاتف الشباب لتعويض النقص وللأخذ بكل أسباب العلم والتميز العلمي، حيث باتت مسألة تحصيل العلم جزءا من مسألة وجود الأمة وكرامتها ونهضتها، فالشاب المتعلم هو ضابط من ضباط الحرب الناعمة التي تخاض ضد الأمة، وعلى مدار الساعة، نقول على مدار الساعة مصداقا للآية الكريمة "بل مكر الليل والنهار"، من هنا نفهم كيف حمل الشباب راية التميز العلمي في الجمهورية الإسلامية في إيران، وشكل الشباب المبدع والمتفوق ستارًا مانعًا لمشروع الطاقة النووية السلمية في الجمهورية الإسلامية، الآن الطاقم البشري العامل والمتصدي في موضوع الطاقة النووية في الجمهورية هو من الشباب، وهو سر طاقة الجمهورية واندفاعتها ومناعتها، لدرجة أن من كان يتهمها بالتخلف، يضج قلقًا ورعبًا من تفوقها العلمي، فنراه يلجأ للإغتيالات كسلاح وحيد لإيقاف عجلة التقدم العلمي في الجمهورية، أورد هذا الكلام في سياق تقديم نموذجًا ناجح، لمن اعتمد العلم والإبداع والإبتكار، وألقى بالمسؤولية فيها على الشباب، فأحسنوا المهمة، وباتت إيران بتميز شبابها وبالمرتكز العقائدي الذي تنطلق منه، الأولى عالميًا في سرعة النمو العلمي، وهي الأولى في غرب آسيا في التكنولوجيا المتقدمة، وقد أقفلت الجمهورية الإسلامية الباب على الغرب في مشروعه لاستقطاب الشباب، وقد عبر الإمام الخامنئي (دام ظله) بالقول "إن الأعداء لتتقطع أنفاسهم حسرة لاستقطاب شباب الأمة"، لقد بات مشروع استهداف حاضر ومستقبل الأمة منجزًا عبر استهداف الشباب في صناعة عقولهم، وقولبتها على اللاأيديولوجيا والقيم المفككة، حتى بتنا نسمع اليوم أن زمن الأيديولوجيا قد ولّى، ولهذا نرى صنوف الإستهداف أيضا عبر وسائل التواصل، وضياع الشباب وأوقاتهم فيها، الأمر الذي أضعف اتصالهم بالعلم وبالعزيمة نحو التحصيل والتميز العلمي، وعبر بث مظاهر الإنحلال والشذوذ، ولكن الغرب زرع وفي عالم العلم ومن قلب العلم والتحصيل العلمي، زرع شبهات إضافية استفاد فيها من مشروعية العلم للدعوة إلى الإلحاد في إطار نفس الهدف، أي لضرب البنيان العقائدي في أساسه، أي وجود الله تعالى، وهنا نتحدث عن شبهة الإلحاد، وهي كما تعلمون سميت شبهة لأنها باطل يشبه الحق، ويستقوي الغرب بمشكلة تطال العلم في جوهره، أن العلم لا قيمة بهويته، وكيف لمن لا هوية له أن يحدد هويتي، وغياب الهوية للعلم نراه عندما يستقدم ويستخدم الكل العلم في صراعهم ضد بعضهم البعض، هنا التصدي بات واجبًا في تأكيد أن تطور العلم يؤكد الحاجة لوجود القوة المنظمة للكون، وتؤكد آخر كشوفات العلم أن لا أزلية للكون والمادة، وأن الكون مخلوق، ولا يفوتنا القول أن تطور العلوم وفيزياء الفلك بات يلاقي فكرة الإيمان بالله أكثر من أي وقت مضى.

إن مسؤوليتنا أيضا في مساعدة الشباب على اكتشاف الميدان المناسب لتميزه، وفي زرع القيم العليا في موازاة تحصيل العلم، وفي تكريس مقولة أن لكل موضوع قيمة، ولكل فعل قيمة، لنصل إلى القدرة على تحويل القيم الإنسانية من الإتجاه السلبي الذي يركز على معالجة الإشكالات عند وقوعها إلى اتجاه إيجابي يركز على تعليم القيم وتقديمها بطريقة تحول وتمنع وقوعها، وأيضا مسؤوليتنا هي في إيجاد الأرضية العقائدية الصلبة التي يجب أن ينطلق منها العلم، لكي لا نقتل أنفسنا بالتقدم العلمي بالسلاح المدمر والتلوث، والإستعمار الحديث، كما ان علينا اليقظة من الإكتفاء العلم وحده دون مرتكز عقائدي يسمح بتقبل أشكال التغريب والتبعية واعتماد نموذج الغرب في الليبرالية المتوحشة، والدفاع عنها، وحتى تدريس تعاليمها في المدرسة والجامعة.

 

إضافة إلى ما تقدم فإن ثمة خطوات مقترحة قد تزيد من ارتباط الشباب بالعلم وتعزز فرص التميز العلمي لديهم:

  • تكريم العلم وأصحاب الإنجازات الاستثنائية والمتفوقين بالحوافز المادية وبالمنح وبالأوسمة والمكانة الاجتماعية، وتنظيم الرحلات ذات الصفة العلمية، ومعاينة الإنجازات الضواهر العلمية المميزة.
  • دعم مؤسسات التعليم وموازناتها، وأبحاثها العلمية، وجعلها من أولويات موازنة الدولة.
  • تحقيق الأمان الاجتماعي للسائرين والعاملين في درب التحصيل العلمي والتميز العلمي، لكي لا يضيع الشاب يائسًا من مسار العلم من بدايته.
  • اعتبار التحصيل العلمي وصولًا إلى التميز العلمي عملاً جهاديًا كغيره من الأعمال الجهادية البطولية، يؤجر عليه من يقوم به.
  • إعلاء قيمة العلم كقيمة عليا، لحاملها الرفعة والأدب والمقام.
  • التأكيد على تلازم العمل والتنسيق بين كل من الجامعة والحوزة الهادفتين للبحث عن الحقيقة والمعرفة والعلم، حيث الحوزة ضمانة وضمير للعلم، مثلما هو تلازم وتكامل بين العلم والدين.

 

ولا ننسى أخيرا أن مسؤوليتنا أيضا تجاه تميز الشباب هي بأن نقدم لهم وطنًا لائقا بطموحاتهم، وطنًا ذا قدرة وكرامة وهذا حقهم علينا، وقد فعلت دماء الشهداء الأبرار فعلتها، وأنتجت عزةً وانتصارات، صنعت مجدًا وشرفًا، بات على شبابنا هُم مسؤولية حمايتها وتعزيزها وصولاً إلى تحقيق ما نصبو إليه جميعًا من دولة كريمة نعز بها الإسلام وأهله ونخذل بها الباطل وأهله.

 

 

المداخلة رقم 2: الشباب بين المسار العلمي وموجات الإنحراف (د. قاسم كلوت /لبنان)

بدأ د. كلوت مداخلته بالحديث الآتي، دعونا في البداية نفكك مفاهيم العنوان، عندنا بالعنون الشباب، وعندنا موجات الإنحراف.

فالأدبيات والكتب والدراسات تتحدث اليوم عن هؤلاء الشباب بسماتهم وصفاتهم وخصائصهم، وما زلنا ندرّس تلك الأدبيات في جامعاتنا وفي مدارسنا وفي حلقاتنا الدراسية المختلفة، فهل الشباب ما زالوا كما كانوا من ناحية صفاتهم وخصائصهم؟ أم يدخل أي متغيّر وقام بتعغيير هذه الصفات والسمات والخصائص؟ إذا أردنا القيام بمقارنة بين شباب الأمس وشباب اليوم، نرى أن شباب الأمس لم يكن موفر لهم ما هو موفر لشباب اليوم من ناحية تكنولوجيا الفضاء، أي وسائل التواصل، الفضائيات وغيرها، فشباب اليوم يعيشون في عالم التكنولوجيا والمعلومات والإتصالات، وعلى الأكيد هذا الأمر ترك تأثيرًا مباشرًا على تفاعلهم مع العالم عمومًا ومع محيطهن ومع بعضهم البعض، وسائل التواصل الاجتماعي على سبيل المثال أصبحت تلعب دورًا كبيرًا ومهمًا في تكوين العلاقات والتواصل، وتكاد تكون حصرت الكثير من التغيرات في تلك التغيرات ما بين شباب الأمس وشباب اليوم. الموضوع والمؤشر الآخر التعليم والمعرفة، فحاليًا تتوفر للشباب اليوم الكثير من الوسائل، وبالأخص تكنولوجيا الإنترنت، وهذه وسائل هائلة من خلال تسهيل نقل المعرفة والتعليم، بينما شباب الأمس لم يكن موفر لهم هذا الأمر على الإطلاق، فكانوا يبذلون جهدًا كبيرًا في سبيل تحصيل المعرفة والعلم. في القيم والمعتقدات لا نستطيع أن نتعامل مع شباب اليوم كما كنا نتعامل مع شباب الأمس، وما أقصده بشباب الأمس أي قبل عشرون أو ثلاثون سنة وما قبل وليس ما قبل مئة عام، حيث في تلك الفترة أصبح هناك تسارع في المتغيرات والتحولات المختلفة على كافة الصعد. فالقيم والمعتقدات قد تكون تبدلت وتعدلت، باعتبار ان ما كان قائمًا مع شباب الأمس لم يعد شباب اليوم يعتقدون به، أو يتبنونه. أيضًا أسلوب الحياة وما فيه من موضة وخلاف ذلك، هذه الأمور تتطور وتتغير وتتسارع، حتى أساليب الإستهلاك أيضًا تتطور وتتسارع، والعلوم محتشدة كي تعظم هذا المفهوم (مفهوم الإستهلاك)، طبيعة العمل كان سابقًا مقرونًا بالعمل المكانة، بينما الآن العمل الجالب للمنفعة المالية والمادية والثروة، توجهات الشباب أيضًا بين الأمس واليوم اختلفت، فالتوجهات السابقة تبدلت، وبالتالي تبدلت وتغيرت المشكلات التي كان يعاني منها الشباب بين الأمس واليوم، فمشكلات الشباب بالأمس كانت محدودة جدًا، وضيقة إلى أبعد الحدود، بينما الآن مشكلات الشباب أوسع بتوسع الدائرة التي يعيشون فيها.

 

أما بالنسبة لموجات الإنحرافات فهي ما تتركه وسائل التواصل الاجتماعي، وسوء استخدام تلك الوسائل والإستفادة منها، فمثلاً بين قوسين نسمع من يهاجم تلك الوسائل وكأن السبب منها، في الوقت الذي اكشتف الإنسان السكين كان باستطاعته منذ ذلك الزمن إما أن يذبح وإما أن يستخدمها في إعداد غذائه، القضية قضية سوء استخدام، عدم معرفة بالاستخدام، استهتار بالاستخدام، هنا تقع المشكلة. ينبثق من هذه الموجة المعتمدة على العناوين التي ذكرتها انحرافات على المستوى الأخلاقي والديني، أيضًا من مظاهر تلك الإنحرافات مثلاً حاليًا موجة تعاطي المخدرات، المخدرات غزت كل زاوية للأسف الشديد من زوايا مجتمعاتنا، وعلى رأس هؤلاء المتعاطين هم الشباب، أصبح الشباب أكثر ميلاً للعنف والإعتداء والسرقة والإحتيال، كمثال الإحتيال الإلكتروني والسرقة الإلكترونية حاليًا بارزة جدًا. وأصبح الشباب حاليًا يهتمون كثيرًا في مواضيع الجنس، فأصبح السلوك الجنسي يجذبهم كثيرًا بعيدًا عن ضوابطه الأخلاقية المجتمعية أو الدينية، ثم استسهال الإساءة للغير عبر وسائل التواصل الاجتماعي، الآن إذ فتحنا أي وسيلة تواصل اجتماعي نجد مستوى منحط من الخطاب والتعليقات على ما ينشر. أيضًا الغش والتزوير، تجاوز القوانين والتشريعات والأعراف المختلفة، لم يعد كثيرًا هناك تحسس من قبل الشاب حيال هذه المسائل. أما الإنحرافات الدينية فأصبحت أكثر تخلٍ عن الممارسات الدينية، ناهيك عن الإنحراف العقائدي والتأثر بالتيارات العلمانية وخلافها، وإذا ذهب البعض إلى عكس التيارات العلمانية فإنه يذهب إلى التيارات المتطرفة كأمثال داعش وأخواتها. لم يعد هناك من رادعٍ لديه تجاه مخالفة الأحكام الدينية والحدود الدينية، تجاهل القيم الأخلاقية، اعتبر الدين أمر تفصيلي، أمر جانبي، وبالتالي هذه الإنحرافات نتلمسها في مجتمع الشباب عمومًا، والشباب المحيط فينا خصوصًا.

 

كل هذا الواقع، وكل هذه الإشكالات، سواء صفات وسمات شباب الأمس وشباب اليوم، أو موجة الإنحرافات الإشكالية الثانية، إلى ما أدّى؟ أدّى إلى عزوف الشباب عما يجب أن يجذبهم وأن يستثيرهم وأن يعملوا عليه، فعزف قسم كبير منهم عن التعليم العالي، حتى التعليم دون العالي في مراحله الإبتدائية والمتوسطة والثانوية، إذا ألقينا نظرة على نسب التسرب، المدرسة بالإحصاءات التي تصدرها الجهات المختلفة هناك أرقام ونسب مخيفة، لا نتكلم الآن عن الوصول إلى الجامعة، نتكلم عن ما قبل الجامعة، أما الجامعة فلها حديث آخر وبالأخص في ظروفنا في لبنان تحديدًا. إذا لماذا يعزف حاليًا  الشباب عن متابعة تحصيلهم الجامعي؟ أولاً إذا أراد الطالب أن يتسجل في الجامعة الوطنية، فالجامعة حاليًا لا تشهد استقرار، ولا تشهد انضباط، تتعرض لحملات شعواء من أجل إضعاف دورها وإبعادها عن دورها المفترض، أما الجامعات الخاصة فحدّث ولا حرج بالكلفة المرتفعة التي لا يقوى الكثير من الشباب الآن العاطل عن العمل أن يلتحق بها، وأيضًا من أسباب عزوف الشباب عدم وجود اختصاصات تناسب ما يريده، أو عدم وجود اختصاصات توفر له فرص عمل مبكّرة، في لبنان للأسف الشديد لا يوجد تناسب بين مخرجات الجامعات وسوق العمل، أي أن الجامعات لا تعمل بالضوابط اللازمة كما هو جود في دول أخرى من اجل التقنيين في الإختصاصات المختلفة وبما يناسب حاجات العمل في سوق العمل. أيضًا من أسباب العزوف هو الميل للتعلّم الذاتي وتحصيل التعلم السريع، أي يريد أن يحصل الشاب على تعلّمه بشكل سريع.

 

نخلص إلى كيف نواجه هذا الواقع القائم؟ كيف يمكن التصدي من جهة لانحرافات الشباب، ومن جهة أخرى لترغيبهم بالإلتحاق بالمسار العلمي؟ هناك مثلث أساسي يتكون من الأسرة، المجتمع، والمدرسة أو القطاع التعليمي. دعونا ننظر لمن الغلبة الآن في توجيه هؤلاء الشباب؟ حتمًا الغلبة للمجتمع وما فيه، وقد ذكرنا القليل مما يحتويه ذاك المجتمع، فإذا المفترض أن نحدد المشاكل بمنهجية علمية دقيقة، أي المشاكل الموجودة في المجتمع، كي نتمكن من قراءتها بشكل دقيق، وبالتالي نتوجه لوضع الحلول المناسبة لها، وهذا يتطلب أن يتوازى ذلك مع تفعيل المؤسستين الأخرتين، مؤسسة الأسرة ومؤسسة التربية، سواء في المدارس أو ما يشابهها، أو في الجامعات أو ما يشابهها.

    

 

المداخلات والأسئلة:

عقب المداخلتين الأساسيّتين كانت هناك عدد من المداخلات والأسئلة من قبل الحضور:

 

مداخلة مدير مركز الأبحاث والدراسات التربوية الدكتور عبد الله قصير:

في واقعنا الحالي لم تعد الشهادات فقط هي المقياس أو هي المعيار الوحيد، فنحن أصبحنا نعيش في عالم التميز والإبداع، وليس في عالم الشهادات، لأنّه حتى حمل الشهادة، لم يعد معيارًا لا لتحصيل العلم، ولم يعد أيضًا معيارًا لتحصيل فرصة العمل، فهناك الكثير من المؤسسات حيث يتواجد على لوائح طلبات العمل لديها المئات من حملة الشهادات المتقدمين لطلب الحصول على وظيفة، ولا تقوم بتوظيفهم، في المقابل تقوم هذه المؤسسة بتوظيف شخص لديه إبداعات معينة أو تميز أو خبرة في مجال ما حتى لو لم يكن يمتلك الشهادة العلمية. كيف نقوم بحل هذه الإشكالية؟ وما هو سبب هذا الموضوع؟ طبعًا أولاً يجب أن نسعى لحل هذه الإشكالية الحقيقية، لأننا اليوم ومن خلال تعليمنا في الجامعة نرى كم يعمل الطلاب ويكون الهدف الأساسي لديهم فقط هو الوصول لتحصيل الشهادة العلمية، وليس التحصيل العلمي، لذلك نرى الطالب يبذل جل اهتمامه ليس لفهم المادة التي نقوم بتدريسها، بل يركز على ما هي الأسئلة التي ستتواجد في الإمتحان كي يستطيع اجتياز المادة بنجاح. هذه مشكلة حقيقية برأي موجودة عند شبابنا الجامعي اليوم ولم تكن موجودة في السابق، سابقًا كان يفتخر الطالب الجامعي ببحثه عن المعلومة وعن الفكرة وعن القضايا، ويقوم بمناقشتها وبلورتها وفهمها وكيف يمكن استثمارها، أكثر من الشهادة التي يمكن أن نحصلها.

 

وهنا سأتوجه بسؤال إشكالي للدكتور زيعور وهو: حول كيفية اختيار الإختصاص الجامعي من قبل الطالب لضمان الحصول على عمل؟ طبعًا أنا لديّ مقترح حل من خلال تجربتي في الحياة وتجربتي مع أولادي، حيث أعتبر أن الحب العلمي هو بداية الطريق، أي الحب والرغبة والعلاقة مع المادة العلمية، أي ليس اختيار الإختصاص أو المهنة، بل اختيار المواد داخل هذا الإختصاص، حيث أن من يختار مواد يحب تعلّمها سيبدع لاحقًا في الإختصاص، وفرص العمل هي من ستلاحقه وليس هو من سيلاحقها. حب + نجاح + تميز + إبداع = فرصة عمل ستلحقك وليس انت من ستلاحقها، هذا هو الطريق الذي أراه في حل هذه الإشكالية.

 

الجواب من قبل د. عبد الله زيعور:

هذه الإشكالية حقيقية وقديمة، وتطرح السؤال الآتي حول دور الجامعة وأولوياتها، فهل هي جامعة تنتج علم لأجل العلم؟ أم هي جامعة يجب أن ترتبط بسوق العمل؟ أي أن تكون الجامعة صدى لسوق العمل، يوجد خلاف جدًا كبير في ساحة التعليم العالي، أي تعليم عالي نريد؟ العلم لأجل العلم؟ أم علم لسوق العمل؟ هل تصبح الجامعة بقاماتها العلمية أسيرة السوق ومتتطلبات السوق؟ أم هي تكون السباقة في صناعة العلم والمعرفة وفتح الآفاق العلمية الجديدة؟ طبعا هناك عوامل يجب إضافتها هنا، أنه ممكن أن نتلافى مشكلة الحصول على الشهادة، حيث أنه في كل بلاد العالم هناك عدد هائل من حملة الشهادات، لكن القسم الأقل منهم هم الذين يعملون، في بلادنا طبعا المشكلة مستفحلة، لأنه لا يوجد توجيه أصلاً، الجامعات في لبنان عندها أكثر من رسالة، هناك جامعات تتقدم على الجامعة اللبنانية بمئة وعشر سنوات، وكانت الجامعة الأميركية تقوم بتخريج نخب للمجتمع المحيط، وكذلك الجامعة اليسوعية كان دورها تخريج نخب للإمساك بالإدارة العامة في لبنان، فلكل واحدة رسالة، لكن حاليًا مشكلة التعليم العالي، هي أن الجامعات التجارية، ربح الجامعة لأجل الربح، حتى أنه يقال ما بين أصحاب رؤوس الأموال، أن أفضل وسيلة للإستثمار حاليًا هي فتح جامعة، فما هي رسالة الجامعة؟ أي جيل سنخرّج؟ هذا موضوع آخر طالما الربح هو الأساس. فإذًا لدينا مشكلة التوجيه من البداية، وهناك غياب لخطة التعليم العالي لدى الدولة. أي تعليم عالي نريد؟ وعندما نحدد أي تعليم عالي نريد، فعندها نحدد لأي نوع من الجامعات والإختصاصات أن يتم فتحها وتدريسها. الرقابة على التعليم العالي في لبنان معدومة، فالمشكلة الإضافية التي نعاني منها في لبنان، ونتميز فيها في دولنا غير المتقدمة علميًا، أنه هناك انقطاع بين سوق العمل والجامعة، وبالتالي عندما نريد معالجة هذه المشكلة علينا أخذ هذه العوامل في عين الإعتبار، ويوجد عناصر حل المشكلة هي أكبر من قدرتنا الفردية، حيث تبدأ من قدرة الدولة، ونحن نكون مساعدين لها.

       

مداخلة من قبل د. قاسم كلوت:

في هذه النقطة أيضًا قام الدكتور قاسم كلوت بتقديم تعليق جانبي على تساؤل الدكتور عبد الله قصير حيث قال: نحن نحتاج لإعادة النظر بمناهجنا الدراسية من المراحل الأولى، وصولاً إلى المرحلة الجامعية، ماذا أقصد؟ مفترض أن يتحول عندنا المتعلم التلميذ الطفل، من الروضات إلى التلميذ الباحث، مفترض أن يتعلم منهجية البحث العلمي منذ الصغر، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، مفترض أن يتم تصنيف المتعلمين باكرًا بحسب الذكاءات المختلفة (نظرية غاردنر)، حيث يتم تقسيم الذكاءات إلى 8 وأضافوا ذكاء تاسع في الفترة الأخيرة، التصنيف المبكر له لهؤلاء المتعلمين بحسب نظرية الذكاءات تساعد كثيرا في تأمين شرط الحب الذي تفضل به الدكتور عبد الله قصير، هي قصة أن يحب الطالب ما يتعلم، فيقينا سيكتسب كفايات ما يتعلم، وبعد اكتساب الكفايات سيبدع ويبتكر، أي أعلى درجات الإبداع الذي هو الإبتكار.

 

مداخلة الشيخ حسين زين الدين :

في الأمر الأول سأقوم بعرض ملاحظة عامة حول كفاية الندوة، نحن بحاجة جدا للإقلال من التوصيف، والإكثار من الحلول، نحن كغير متخصصين من حقنا أن تنورونا، حتى نرى في الظروف المعقدة التي وصفتوموها والتي نعيشها في الوجدان، يجب أن تعلمونا في هذه الظروف المعقدة ماذا يجب أن نفعل؟ نحن نعرف أن الأزمات كلها متداخلة مع بعضها البعض، من النظام السياسي للنظام الاجتماعي للنظام التربوي لوسائل الإعلام للتقنيات جميعا، فكلها متداخلة، فمثلاً في العسكر يتدربون على العيش في الظروف الصعبة، فعلينا أن نرى هنا التربية في الظروف الصعبة كيف يجب أن تكون؟ هذه النقطة بحاجة للكثير من النقاش.

الأمر الثاني نحن بحاجة لإعادة تعريف غايات العلم، لأننا أيضا نستورد الغايات وليس فقط المصطلح، العلم له قيمة ذاتية باعتباره الكاشف عن الحقائق، وكشف الحقيقة يؤدي تلقائيًا إلى تكامل في النفس، بمعزل عن سوق العمل، وبمعزل عن نمط العيش. الشيء الذي طرحه الحاج عبد الله قصير العزيز حساس جدًا، والذي أنا أتكلم فيه كطالب جامعي، وأتكلم فيه كطالب حوزوي، فنفس العنوان الذي كنت أدرسه في مكان، كنت أدرسه في مكانٍ آخر، مكان أكرهه ومكان أحبه، الأمر له دخالة بجاذبية المحتوى وملامسته للأسئلة الفطرية، إذا لم يكن هناك وجود للعطش فلا معنى للشرب، يوجد أزمة تعطيش معرفي في مناهجنا. فأنا أتذكر على سيرة الشهادة التعليمية، هناك مادة كبيرة جدًا إسمها علم الجمال، قمت بإنجاز هذه المادة وحصلت على علامة عالية جدًا، وعندما طلبت مجموعة ثانية مني أن أقوم بتعليمهم هذه المادة، قلت لهم لم أفهم منها كلمةً واحدة، فبكل صراحة كنت قد درستها بطريقة الحفظ فقط دون الفهم للمضمون. فعادة جاذبية المادة تنتج تلذذ الطالب بالمادة، وهذه نحن بتجربتنا التربوية، حيث كان لدى عقدة دراسة تصريف الأفعال في اللغة الفرنسية، وكان مدرسنا أيضًا هو لديه عقدة، حيث أن قد أخذ الإجازة بالسجن، ولهذا توارثنا التعقيد التربوي، فكان يدرسنا اللغة الفرنسية خلال حمله لجريدته وارتشافه لفنجان القهوة، ويكتب جملة واحدة في بداية الحصة على اللوح، وكان ممنوع علينا الكلام ولا أي كلمة، إلى آخر العام الدراسي، حضر الأستاذ وكتب لنا 3 أفعال للتصريف على اللوح، وقال لنا احفظوهم سيأتون في الإمتحان، فجميعًا نجحنا، هذا بعض من النموذج التربوي الذي عايشناه.

ثالثًا، جانب د. كلوت يتكلم عن نظرية الذكاءات، فعلينا أن نكون منتبهين، وجود تفوق لبعض الذكاءات عند بعض الطلاب لا يساوي وجود ترتيب مساره التربوي بناء على الذكاء، هذا يعني قتل الذكاءات الأخرى، الكمال بحسب تعريف فلسفتنا الإسلامية هو التوازن بين الصفات، إذا ذهبنا إلى الإبداع وسوق العمل، أنا لا أريد شخص مبدع منحرف غير متكامل، يوجد إبداع إنحرافي، هناك مجنون يكتب شعر جميل ولكن لا علاقة له بالأخلاق، الذكاءات جميعًا يجب أن تنمو بشكل متوازن، جرعاتها بحسب الإستعداد، ولذلك نظرية الذكاءات لا أحبذها، وبحاجة لتوقف عندها.

ختامًا بأهداف العلم، هدف العلم هو التكامل الفردي والاجتماعي، وأداء الوظيفة الرسالية، هذه الأمور أوقات يكونون بوجود سوق، وأحيانًا العلم هو من يوجد سوق عمل، أي نحن الآن ملزمين بالإختصاصات بحسب ما تفرضه الشركات الكبرى من طريقه إنتاج نمط عيش، فمثلاً إختصاص الزراعة والصناعة في لبنان، هذه الإختصاصات موجبة لوجود بنية تحتية تؤمن التحرر والإستقلال الاقتصادي ولاحقًا الثقافي، هنا يجب أن أفكر كيف أعمل، وليس عملية توجيه حول المتاح، فالمطلوب مني إيجاد وإتاحة ما ليس متاحًا من اختصاصات مفيدة لمجتمعنا.

 

مداخلة من قبل نائب مدير عام مركز الأبحاث د. يوسف أبو خليل:

سأركز في مداخلتي على نقطتين:

النقطة الأولى هي موضوع المهم والذي أثاره الدكتور عبد الله زيعور، هو موضوع أن العلم لا هوية له، هذه نقطة جدًا أساسية وبنيوية واجب أن نركز عليها، فكل الحضارة الغربية والثقافات الأخرى التي دخلت إلينا، ونعرف ذلك من خلال التكنولوجيا والعلم والتقدم العلمي، فمن الجميل جدًا الفصل بين العلم كعلوم تجريبية لا هوية لها، لا يمكنني القول فيزياء وأنسبها لأي ثقافة أو أي علوم أخرى غير العلوم الإنسانية، فهذه المسألة جدًا مهمة لأننا دومًا يقال لنا نحن متخلفين أنظروا للتكنولوجيا والعلم في الخارج، هذا الفصل يجب أن يتم الفصل ما بين الثقافات والعلم، لأن العلم تجربة بشرية تراكمية لم تصنعها ثقافة معينة، بل العلم هو مسار يسير من أول البشرية ولا يزال، وهو لا هوية له.

أما النقطة الثانية فهو موضوع صراع الأجيال، نحن دومًا لدينا منذ أول التاريخ لليوم دومًا صراع للأجيال، حيث أن الجيل الأكبر ينظر للجيل الأصغر وكأنه جيل غير جيد، هو جيل فاشل، هذه النظرة كانت قبل التكنولوجيا، ولا زالت بعد التكنولوجيا، أنا صراحةً أنظر نظرة إيجابية للشباب اليوم، لأننا عندما كنا شباب لم يكن لدينا هذه التحديات الكبيرة كوسائل التواصل وغيرها، نحن في هذا الوقت نرى شباب متعلم، شباب واعي في ظل كل هذه التحديات.

 

مداخلة من قبل مدير مديرية الدراسات الميدانية د. علي كريم:

لن أطيل كثيرًا في مداخلتي، ولكنني سأرد النقاش للشباب والعلم بالمباشر، أعتقد أن النقاش في هذا الموضوع يذهب نحو 3 اتجاهات: بالشكل، وبالمضمون، وبالمنهجية.

أولاً بالشكل، عندما أريد الربط بين الشباب والعلم، من هو الشاب المتعلم الذي نريده؟ هل نحن معنيين أن نخرّج روبوتات مثلاً؟ أو أشخاص مثل ما تفضل جناب الدكتور عبد الله عندما قال هل الطالب هو عبارة عن كيس أريد أن أحشوه بالمعلومات، هل فعلاً هذا هو المطلوب؟ وما هي قدرته على توظيف ما يمكن أن يُقدم له في هذا الإطار؟.

ثانيًا في المضمون، ما الذي يتعلّمه هؤلاء الشباب؟ هل كل ما يتعلمه اليوم هو فعلاً مورد حاجة؟ هذه إشكالية كبيرة جدًا، خاصةً أننا جميعنا نعرف أولاً وأخيرًا بأنّ مقدار ما يمكن للطالب أن يوظّفه من كل ما تعلّمه لا يتجاوز الخمسة بالمئة.

ثالثًا في المنهجية، أي مسار المشروع، فنحن مرتهَنين لقوالب العلم وكأنها فرض إجبار، حيث يصبح الطالب من حين دخوله للمدرسة ولحين تخرجه، مستوى الإستفادة المتحققة منه كم تعادل؟ هذا هو الآن الواقع الموجود، وأنا أتكلم مع طلابي بالجامعة في هذا الموضوع، ولكن لا تقوموا بنشر هذه المعطيات أمام  أخوتكم الأصغر منكم سنًا، فليقطعوا السنين الدراسية كيفا كان في هذا الواقع، لأنه واقعًا هل تبني عنده هذه السنين الشخصية العلمية التي تنمي الذكاء؟ كل ما هناك أنه يتم تراكم حافظة وذاكرة لدى الطالب ليقوم بتفريغها بلحظة معينة هي لحظة الإمتحان، وخلال تفريغها لا تحاكي المستوى الحقيقي للطالب، ليس هذا هو المستوى الحقيقي.

لذلك أعتقد بأن الموضوع بحاجة للنظر من ثلاثة جهات، بالشكل والمضمون والمنهجية، لكي نستطيع أخيرًا أن نقول بأننا في مستوى التوافق المطلوب ما بين الشباب والعلم، والذي يمكن أن يحقق الأهداف والغايات التي نأمل من خلالها أن ننهض بالمجتمع ككل.

 

مداخلة من قبل د. قاسم كلوت:

الدكتور يوسف أبو خليل قال بأن العلم لا يملكه شخص ولا مجتمع ولا ثقافة، العلم ملك عام، ملك البشرية ككل، وبالتالي فعلينا أن نقبل ما ينتجه العقل البشري وبالأخص في المجال التربوي، لأنه الركيزة في تطور وتقدم المجتمعات المختلفة، فنظرية الذكاءات من هذا العلم الذي أنتجه العقل البشري، من خلال التجارب. وليس من الصحيح تناول المشكلات المجتمعية بشكل مجزأ، أي مشكلة الشباب من جهة، ومشكلة التربية من جهة، ومشكلة الاقتصاد من جهة، من المفترض تناول هذه المشكلات من فوق، وننزل بها باتجاه الأسفل، حتى تتحلل الكثير من المشكلات، ولكننا عندما نتناول المشكلات بشكل مجزأ من الأسفل، لأنها مرتبطة بالكثير من العناصر الأخرى، فتبقى هذه المشاكل مستمرة على الرغم من الكثير من بذل الجهود.   

 

مداخلة من قبل د. عبد الله زيعور:

برأيي هناك نوعين من التميز العلمي: التميز العلمي الذي نحن نصنعه، حيث أننا نصنع له ظروفه، فيكون هناك طالب لديه مؤهلات، ونحن نقوم برعاية هذه المؤهلات الموجودة لديه، وهذا كما أسلفت هو مسؤولية منظومة متكاملة، عليها أن ترى وأن تقوم بأخذ هذا التميز بالإتجاه الصحيح. وهناك تميّز يكون بشكل فطري، أي يخلق الإنسان ويكون لديه طاقة، وهنا أيضًا علينا مسؤولية رعايتها وفتح المجال لها للتطوّر، فأنا أذكر كلمة لسماحة السيد حسن نصر الله (حفظه الله) يقول فيها لا زلنا في مجتمعنا عندما يأتي شخص متفوق ينتابنا شعور من التلبك، فمثلاً عبد السلام الذي حصل على جائزة نوبل في الفيزياء النووية وعمل كشف علمي كان جدًا هائل، عندما عاد لبلده، وعلى قصة التلبك فيه، فوضوعه في موقع رئيس المنتخب الوطني لكرة القدم الباكستاني، فترك بلده مباشرة وعاد إلى حيث كان.

ففي عمل المنظومة هناك أمر إذا راقبناه بقصة البرامج وتحديث البرامج وتغيير البرامج، الموضوع جدًا مهم، وهو يبدأ من الدولة، أي مسؤولية الدولة، ونحن لدينا وضع وطني، أي لا نستطيع إنتاج برامج خاصة بنا فقط، فحتى برامج جامعاتنا الخاصة خاضعة لرقابة الدولة، وجامعة الدولة كذلك الأمر، فعندما نصل لهذا الموضوع، فنحن كلما عملنا على إصدار كتاب تاريخ مثلاً، فنضع متاريس بين بعضنا البعض، وبالتالي فالموضوع ليس بهذه البساطة قصة تحديث العلوم، حيث أننا آخر مرة قمنا بتحديث البرامج كانت في العام 1997، والآن يتم العمل على تحديثها، ولكن هناك خلاف حاد جدًا، هناك معارك طاحنة على الهوية، أي برنامج وأي إنسان نريد، وبالتالي فالمسألة ليست في هذه البساطة التي قد نتصورها، لأننا نحن لسنا لوحدنا في هذا البلد.

 

 

 

 

 

أضيف بتاريخ :2023/10/17 - آخر تحديث : 2023/10/17 - عدد قراءات المقال : 1175