الى الاعلى
  • النظـــرة للمعلّــــم ينبــــغي أن تكون نظرة تجليل وتكريم "الامام الخامنئي"

المناهج التربوية والتعليمية بين التشتت والتركيز


المناهج التربوية والتعليمية

بين التشتت والتركيز

 

الكاتب: الشيخ د. عباس صبحي كنعان

  

قد يكون الحديث عن عدم التشتت لدى المتعلم، والحاجة إلى التركيز هو الكلام اليومي المتكرّر لدى المعلمين المربين في مختلف المراحل التعليمية، خاصة في المؤسسات التعليمية ما قبل الجامعية، وقد لا تخلو حجرة تعليمية من إثارة هذا الموضوع، فضلاً عن المطالبة الدائمة للمتعلمين أو المختصين التربويين أو ذوي الطلاب من معالجة هذا الموضوع، بل وتحميل الطلاب وأهاليهم في الكثير من الأحيان مسؤولية التشتت وعدم التركيز لدى المتعلم، وقلة الاهتمام والعناية من قبله، إلاّ أنّ البحث والدراسة في تركيز المناهج وعدم تشتتها، كلام قد يكون غائبًا عن الكثير من المؤسسات التعليمية، علمًا أن الزمن الذي نمر به على مستوى تسارع المعرفة، والاكتشافات العلمية، وتوسُّع العلوم، والتقنية، خاصة في مجال الذكاء الصناعي وأدواته وبرامجه، قد يفرض علينا البحث والتفكير بطرق جديدة، ومختلفة عمّا اعتاد عليه مصممو أو معدو ومهندسو المناهج التربوية والتعليمية.

 

 

  • ماذا نقصد بالتركيز والتشتت في المناهج التعليمية والتربوية؟

    من المتسالم عليه بأن كل منهج تربوي وتعليمي ينطلق من فلسفة ومقاربة معرفية ونظرية حاكمة عليه، ومحدِّدة له في البناء والتصميم والهندسة والإعداد، وهذه الفلسفة والمقاربة المعرفية لا بد وأن تكون قد صاغت -في مرحلة سابقة عن إعداد المنهج- الغايات والأهداف التربوية الكلية والعامة، وأخذت بعين الاعتبار الغاية الأساسية من التعليم، وهي بناء الإنسان وتقدمه لا تدميره، وسعادته وهنائه لا تعاسته، وآماله وتطلعاته لا انغلاقه وضياعه،..إلخ، وبالتالي فإنّ المنهج -ونتيجةً لهذه القاعدة- ناظرة بعين المدقق إلى المآلات التي سوف تؤديها أو تنتجها العملية التعليمية بعد تطبيق المنهج المصمم والمعد، وأنَّ أي إجراء تعليمي، أو مضمون تربوي لا بد وأن يكون محكومًا لهذه القاعدة الكلية.

 

    وفي سياق ما تقدم، وعندما ننظر إلى عدد المجالات أو المواد التعليمية المقررة في المنهج التعليمي نجدها قد بُنيت بشكل يوجد الكثير من التشتت والضياع لدى المتعلمين، المستهدفين بالعملية التعليمية، ولا يعني ذلك -أيضًا-حذف أو تقليص تلك المواد والمجالات، بل نعني به إعادة إجراء عملية دمج علمية مدروسة ومنظمة ومركّزة للكفايات، بحيث تدمج مواردها بشكل يصبح بإمكان المتعلمين التركيز الذهني والعقلي والنفسي على مجموعة من المكتسبات التعلُّمية التي تتيح لهم تحقيق الكفايات التعليمية الرئيسة في المنهج، وهذا ما يحتاج إلى جهود إضافية من قبل مصممي المناهج ومعديها، إذ تصبح عدد المواد التعليمية أقل مقارنة مع ما هو سائد اليوم في الحلقات التعليمية في المراحل ما قبل الجامعية(بالحد الدنى) وعلى سبيل المثال: فبدلاً من تخصص مادة التربية الوطنية كمادة مستقلة في المنهج اللبناني، يمكن أن يتم دمج كفايات هذه المادة بمواد اللغات، حيث يتصبح من ضمن نصوصها التي تحتوي المفاهيم والتعاليم والاتجاهات التي يراد إكسابها من قبل المتعلمين، وكذلك في بعض المواد التعليمية الأخرى، وهو ما يساهم بشكل فعال وحيوي في إعادة التركيز الذهني والمعرفي والمهاري والتعليمي عند نفس المتعلمين، وهكذا يعاد النظر بتوسع عدد المواد التعليمية التي قد تصل إلى ثلاثة عشر أو خمسة عشر مادة في بعض الحلقات التعليمية، وفي بعض الأحيان يضاف إلى ذلك (التوسع بعدد المواد التعليمية) أن بعض المؤسسات قد تعمد إلى إعداد أو اعتماد عدة كتب ودفاتر تطبيقات وملحقات تعليمية تصل إلى ما يقارب سبعة أو ثمانية كتب وإصدارات لملدة تعليمية، مما يزيد في مشكلة التشتت وعدم التركيز من قبل المتعلم.

 

   كما أن هذا التركيز هذا يحتاج أيضًا إلى إعادة النظر بنفس الأهداف والكفايات ومواردها التعليمية المنبثقة عنها، فبدلاً من تضمين المنهج كل ما يمكن أن ينبثق عن الأهداف من كفايات، يتم التركيز على الكفايات المحورية والأساسية لها، بحيث إذا قمنا بتحقيقها وإكسابها للمتعلمين نكون قد حققنا الأهداف بنسبة عالية ويعتد بها. وهذا ما يمكن أن يكون ضمن سياق ترشيق المنهج وتماسكه المضموني الداخلي، ولا يضر ذلك ولا يتنافى مع ما هو متعارف عليه لدى مصممي المناهج المدى والتتابع في تصميم المناهج (Scope  and Sequence in Curriculum Designing)، أو ما يمكن أن يُعرف بمحك أو معيار التتابع والتوالي(Criterion of relay and succession)، إذ أنَّ "المعايير والمحكات التي تؤخذ في تقييم وتقويم المنهج هو معيار التتابع التوالي بين أهدافه وكفاياته، وهو ما ينبغي اعتماده في مقارنة الأهداف أو الكفايات، أفقيًا أو عموديًا، بحيث نلحظ الترابط الذي ينبغي أن يكون بين أهداف وكفايات كل مرحلة من المراحل، أو بين أهداف وكفايات نفس المجال التربوي، أو المادة العلمية"[1].

 

 

  • لماذا نحن نحتاج إلى التركيز؟

إنّ عملية التركيز التي تتم على مستوى مكونات المنهج، من حيث الأهداف والكفايات والمواد التعليمية، لا تعني حذف أو إلغاء أي من المجالات التربوية وموادها-كما قدمنا-، بل إعادة تصويب المنهج من حيث التصميم والهندسة والبناء الداخلي، خاصة مع الأخذ بعين الاعتبار التوسع المعرفي وتزايد النتاجات العلمية في مختلف الحقول والمجالات، وتوفر الكثير من وسائل وتقنيات وصول المتعلم إلى المعلومة؛ فهل نحن في مرحلة زمنية نحتاج إلى توفير المعلومة أو المعطيات العلمية للمتعلم؟ أم في مرحلة زمنية في أمس الحاجة إلى تعليم الطالب كيفية الوصول إلى المعرفة والعلم، وكيفية تقييم صوابية ومصداقية هذه المعطيات والمعلومات، وكيفية إجراء معايير لضمان صحة المعلومة، والأخذ من مصادرها الصحيحة؟ وكيفية تطوير وصناعة هذه المعرفة وإعادة انتاجها وتطويرها؟! بالاضافة إلى أن هذا التصويب والتطوير يساهم في  ما يشكل سببًا لرفع دافعية المتعلمين وإعادة توجيه الطاقات الكامنة لديهم باتجاهات أخرى أكثر فائدة، ومنفعة، على المستوى حياة المتعلمين، وقدراتهم المتعددة، حيث يقتضي ذلك كله من مصممي المناهج ومهندسيها أن يطرحوا الأسئلة المفتاحية التالية وبشكل دائم:

 

  • ما هي الكفايات التي يمكن إدماجها وإدراجها في المنهج بشكل إذا تحققت وتحصلت من قبل المتعلمين، تحقق الكثير من الكفايات؟

  • ما هي المواد التعليمية التي يمكن دمج كفاياتها ومواردها وإدماج محتوياتها في مواد واحدة؟

  • ما هي المواد التي يمكن أن نتخلى عنها (أقل أهمية) لصالح مواد وكفايات أخرى(أكثر حاجة وأهمية وفائدة)، دون أن نحذف كفاياتها ومواردها؟

 

نعم هناك الكثير من الأسئلة-الأخرى بالإضافة إلى ما ذكرناه آنفًا- التي تُطرح من قبل مصمم المنهج، بحيث تُشكل معايرًا ومحكات لتقيييم المنهج وتطويره[2].

   

وبناءً عليه؛ -ونتيجة لهذه المقاربة التي تحتاج إلى دراسة وتأمل، وعناية ومتابعة وإعادة نظر في العديد من المواد التعليمية المعتمدة- فإنّه من المفترض أن ينزع مصممو المناهج ومعدوها، أو بعض التربوين والمعلمين والقيمين على المؤسسات التعليمية من عقولهم أنّ أهمية مجال علمي معين، والحاجة إلى العناية بكفايات جديدة، يعني تلقائيًا إضافة مادة تعليمية جديدة، ترهق كاهل المتعلم، وذويه، والإدارات التعليمية، وتزيد من عوامل التشتت والضياع في المنهج، بل وإعادة تصميم وهندسة المنهج بما يركز على القدرات العقلية المتقدمة والعالية لدى المتعلمين، التي ترفع من مستوى ذهنية المتعلم، وتشكل حافزًا إضافيًا لرفع دافعيتهم نحو التعلم، وانتاج العلوم والمعرفة بدلاً من حفظ المعلومات وتخزينها واسترجاعها فقط...

 

 

كلمات مفتاحية:

المنهج التربوي، هندسة المنهج، البناء، مصمم المناهج، مكونات المنهج، التركيز، التشتت، المواد العلمية، الكفايات، المدى والتتابع في تصميم المناهج (Scope  and Sequence in Curriculum Designing)، محك أو معيار التتابع والتوالي(Criterion of relay and succession)، المنهج اللبناني، الفلسفة التربوية، المراحل التعليمية، المؤسسات التعليمية.

 

 


[1] - كنعان، عباس(الكاتب) المنهج التربوي، الهندسة والبناء وفق منطلقات إسلامية تأصيلية، دار الولاء، بيروت لبنان، ط1، 2024، ص274.

[2] -راجع: المصدر نفسه، ص267 وما بعدها.

أضيف بتاريخ :2024/03/04 - آخر تحديث : 2024/03/04 - عدد قراءات المقال : 622