الى الاعلى
  • أكرموا أولادكم، وأحسنوا آدابهم يُغفرْ لكم "الإمام الصادق (ع)"

الدروس القيمية للنهضة الحسينية عند المستشرقين من خلال الشعائر الحسينية


الدروس القيمية للنهضة الحسينية عند المستشرقين

من خلال الشعائر الحسينية

روبير بندكتي نموذجاً

 

 

 

الدكتور محمر نمر[1]

يعدّ البحث والدراسة في موضوع الاستشراق والمستشرقين من الأبحاث المهمة والضرورية، فالمستشرقون عملوا على أغلب الموضوعات والقضايا الإسلامية وتناولوها بالبحث والنقد ونقلوها في أبحاثهم بحسب وجهات نظرهم وبعدسة العلم الذي بحثوا فيه كعلم التاريخ والاجتماع والأنثروبولوجيا والأديان ...

 

بدأ اهتمام المستشرقين بالتشيّع منذ زمن بعيد ولكن الدراسات المستقلة تأخرت الى بدايات القرن العشرين  (علي، 2018) وخاصة بعد ثورة العشرين التي جذبت اهتمامات المستشرقين للتعرف أكثر على الشيعة ومرجعيتهم الدينية وعقائدهم، وعاشوراء والامام الحسين ع  ومن هؤلاء جولدتسيهر وهنري كوربان وكورت فريشلر  وهالم واندريه نيومان وفرنسوا تويال وانطوان بارا وغيرهم.

 

وفي معرض حديثهم عن الامام الحسين ع وعاشوراء نرى أن كثيرا من المستشرقين تحدثوا كثيرا بالمدح والثناء وبيان علو وسمو مكانة الحسين ع ويقودهم البحث في سيرة الحسين ع وتضحياته إلى كثير من المقارنات مع باقي الأديان وخاصة مع المسيحية.

 

فقد حاولوا ربط شخصية الحسين ع بما لدى المسيحيين من قيم، ف"هانز هالم" مثلا يقول "والشيعة لا تنظر إلى الحسين بنظرة مختلفة تماما عن غيرهم، فهم لا يعتبرونه قد تعرّض للهزيمة والقتل، بل كان سيد الشهداء، ويساوون بين مصيبته ومأساة عيسى..." (علي، 2018)

ويقارن "يان هانغوسون" بين الثورة الحسينية والمسيحية:" بعض الرموز الإسلامية تكون قريبة لقلب المسيحيين ... في حياة الحسين الأليمة سمات عديدة نشاهدها في العبد المضحّي لله والذي يشبه النبيّ داود... يمكن أن يصبح الحسين جسراً بين المسيحيين والمسلمين الذين يؤمنون بأنّ المسيح الذي صلب عاد حيا بعد الموت" (علي، 2018)

 

وهذه المقارنات تحاول أن تبحث عن مدى التوافق والاختلاف بين الشعائر الحسينية وما يقوم به الشيعة من احياءات وممارسات عبادية ورمزية وسيميائية متعلقة بالحادثة التاريخية وبين ممارسات وشعائر وطقوس باقي الأديان، لذلك نجد أن كثيراً من المستشرقين حاولوا إيجاد جذور للممارسات الشيعية في الأديان الأخرى وما إذا تم أخذ بعض مظاهر عاشوراء من عادات وتقاليد وثقافات باقي الشعوب.

 

يعتبر روبير بندكتي من المستشرقين الأنثروبولوجيين الذي صب اهتمامه على مجال المقارنة بين الأديان وخاصة بين المسيحية والإسلام، لذلك قام بمقارنة القيم الموجودة في عاشوراء مع القيم المسيحية في كثير من كتاباته وأبحاثه، نذكر ما له علاقة بالبعد التربوي ملخصا:

قام بندكتي من المستشرقين ببحث وظائف العزاء الحسيني التربوية وما هي أهم تأثيراته على المجتمع الشيعي وقسموا الوظائف إلى ظاهرة وكامنة.

 

 

فبحسب اهداف مجلس العزاء عند الخطيب الحسيني يمكن ملاحظة مجموعة وظائف ظاهرة يتعمد الخطيب اظهارها والتأثير في الوعي الجماعي عند المشاركين في مجالس العزاء:

 

أ- الاعلام السياسي: انّ من اهم معطيات مجالس العزاء منذ تأسسها هو دورها السياسي بالرغم من انه لم يكن بمستوى ونمط واحد دائما، بل تعددت انماطه بتعدد وتباين مقتضيات الزمان والمكان، فكان الطابع السياسي متناسبا مع الظروف وتقلباتها. (بندكتي 2001).

ب- صناعة القدوة: تستعرض مجالس العزاء جوانب من شخصية ائمة الشيعة ويدعو الخطباء الى التحلي بصفات واخلاق هؤلاء الأئمة، وخاصة امامهم "الشهيد" الحسين ع حيث ان ذكر مناقب الشهيد واظهار الحب له يستدعي تقرب المستمعين من هذا النموذج عبر فعل الاقتداء، ويمكن ملاحظة وظيفة الاقتداء على الصعيدين الفردي عبر الاقتداء بأخلاق ائمة الشيعة ومعاملتهم مع باقي الناس وعبادتهم والاجتماعي عبر الدعوة الى رفض الظلم واحقاق الحق والعدالة والثورة على السلطان الجائر (بندكتي 2001).

ج- ترسيخ الاعتقادات الشيعية: اتخذ الخطباء من المنبر الحسيني وسيلة من اجل ترسيخ اعتقادات الشيعة وبث الافكار الشيعية ومواجهة "الحرب الثقافية" وبث الوعي في الجماعة الشيعية خاصة ان الحضور يكون بشكل مكثف خلال مجالس العزاء ومستمرا الى أكثر من يوم مما يسمح للخطيب بأن بتكثيف المحاضرات وتجزئة الموضوعات على عدد ايام اقامة مجالس العزاء.

 

 

أما الوظائف الكامنة التي يمكن ملاحظتها من الحقل كما حددها بندكتي (1995):

 

أ- خلق روح التوافق والالتحام : ان اجتماع مجموعة من الناس واتحادهم في عمل موحد بدافع العقيدة الموحدة يجعل بين هؤلاء الافراد علاقات وثيقة بينهم ويعزز العلاقات الاجتماعية بينهم، خاصة ان العمل الذي يجمعهم هو عمل "شعائري" "عبادي" بهدف نيل "الاجر والثواب" ودخول الجنة.

ب- تدعيم النظام الاخلاقي: ان الغاية من مجالس العزاء غاية دينية تدخل في المعتقد والقدسية ولأن الغاية مقدسة فمجلس العزاء مقدس باعتباره وسيلة للوصول الى "الخبرة التطهيرية" التي يعيشها المشاركون في المجالس، فكلما ازداد عدد الحضور في المجالس، كلما ازدادت الثقة بالمجالس وبقدسيتها، ومن ثم تمنح المجالس قدسية مستوحاة من "بطل كربلاء "و "بطلة كربلاء" تعطى للأفراد باعتبارهم "حسينيون" و"زينبيات".

ج- تسكين الآلام الفردية والاجتماعية: شكلت التراجيديا في عاشوراء شعارا لواقع التشيع في مراحل متعددة، فالحسين ضحية للظلم وبالرغم من كل انواع الاذى والعذاب الا انه لم يستسلم لان قتله كان مشيئة الهية، فيتحول الانطباع حول الحسين الى رمز من رموز الشفاعة يوم القيامة حيث يشفع لكل من يشارك في مجالس العزاء ، فأصبحت هذه النظرة بلسما للأوجاع ومسكنا لبعض الآلام والمعاناة باعتبار ان عنوان المواساة يجب ان يكون عبر الصبر على الظلم والأذى وتذكر آلام الحسين ومواساته.

 

 

 

حقل الخطاب الشيعي الدلالي للقيم (بندكتي 2001 ):

نخلص في القراءة التحليلية للخطاب الشيعي الدلالي الى القيم الآتية:

أ- الاسلام الحقيقي : النبي واهل بيته ع،الحسين :روح التضحية، كربلاء، روح الاسلام الانسانية، الآخرة.

ب- شيعة الحسين: المسلمون الموالون للرسول واهل بيته ع-حب الحسين ع-احتفالات دينية- عاشوراء- الاحساس بالحق : المقاومة، الشهداء،المرجعية الدينية،الهوية المميزة والخاصة.

ج- الاسلام المنحرف: الحكم الظالم : بنو امية، بنو العباس،بنو عثمان، الديكتاتورية (صدام حسين، شاه ايران) – الهوية العامة.

د- الغرب: الفساد الاخلاقي- الظلم: الاستعمار، الاحتلال، الصهيونية، الحرب الثقافية.

 

من خلال حقل الخطاب العاشورائي الدلالي يمكن ملاحظة اهمية هذا الخطاب ذي القيم السياسية والتربوية فالتراجيديا والفكر اللاهوتي الموجود في ظاهر الخطاب يستبطن الرؤية السياسية المتكاملة للجماعة الشيعية المحتفلة بالإضافة الى القيم الدينية والاجتماعية والتربوية (بندكتي،  2010)

اذاً فالتعرف على الامام الحسين ع من خلال الشعائر والمراسم المقامة في ذكرى عاشوراء تكشف لدى المستشرقين عن الخبرات الروحية والتربوية التي تقدمها مدرسة عاشوراء بشكل عملي وتظهر مجموعة من القيم التي تركز عليها هذه المراسم والتي قد تختلف عما هو موجود في كتب الشيعة، فالمستشرق يحاكم عقائد الشيعة من قبل ممارسات الناس ورجال الدين كواقع موجود، بطريقة استقرائية، دون النظر إلى ما يعتقدون فعلا ، لذلك يجب فهم منهج المستشرقين في محاكمة الظواهر الدينية.

 

 

 


المصادر والمراجع:

  • المجلسي، محمد باقر، بحار الانوار، بيروت ، لبنان، ط2 ، 1996.

  • رزق الله رالف،1997، “يوم الدم” تمثيلية عاشوراء في جبل عامل، مقاربة نفسية واجتماعية لمقتل الإمام الحسين، ترجمة خليل أحمد خليل، ط1، دار الطليعة، بيروت، لبنان،ط1، 1997،

  • السبحاني، جعفر : العقائد الاسلامية، دار التعارف، بيروت، لبنان، ط 4، 2008، ص 341.

  • علي، رائد غالب، الامام الحسين وثورة عاشوراء من وجهة نظر المستشرقين، العتبة الحسينية المقدسة، العراق، ط1، 2018.

  • معتوق، فردريك، مرتكزات السيطرة الشرقية،دار الحداثة ، بيروت لبنان،ط1 ، 2009م.

  • شرارة، وضاح:تطورات ظاهرة دينية في بلدة من جنوبي لبنان: عاشوراء، منشورات مركز الابحاث في معهد العلوم الاجتماعية الجامعة اللبنانية،1968.

  • بندكتي،روبير، الشعائر بين الدين والسياسة في الاسلام والمسيحية،دار المشرق بيروت،ط2، 2010.


 

  • - Maatouk,Frederic(1974) : la representation de la mort de l'imam Houssein a nabatieh(liban-sud), Beyrouth,coll."publication du centre de recherché de l'institut des sciences socials de  l.universite libanaise" page 120-125.

  • - Benedicty, Robert, (1995): Societe civile et communaute religieuse. Experience culturelle d’un village arabe chretien dans la societe arabe contemporaine, Beyrouth, Dar el Machreq.

  • -  Benedicty, Robert, (2001): Transfiguration sacralede la societe civile> La fete religieuse comme lieu politique dans la societe libanaise contemporaine, Beyrouth, Dar el Machreq.

 


 

 


الشيخ د.محمد النمر : [1]  باحث تربوي في مركز الأبحاث والدراسات التربوية – أستاذ جامعي وحوزوي.

أضيف بتاريخ :2023/09/01 - آخر تحديث : 2023/09/01 - عدد قراءات المقال : 539