الى الاعلى
  • من كان له أنثى، فلم يبدها ولم يُهِنْها، ولم يُؤْثِّر ولده عليها أدخله الله الجنّة"النبي الأكرم(ص)"

 "المرأة في الإسلام" قضايا إشكالية


قراءة في كتاب:
 "المرأة في الإسلام" قضايا إشكالية
 للكاتبة فَريبا عَلاسْونْد

 


إعداد: الشيخ د.عباس كنعان*

   تنحو الاتجاهات والهجمات الثقافية الغربية المتعددة، والتي تستهدف جتمعنا، بين الحين والآخر، منحى إثارت الغبار والتضليل أمام الوقائع والحقائق العديدة، فتتناول قضاياه الإشكالية باستراتيجيات شائكة، ومتنوعة، ومتداخلة في آنٍ معًا، حيث تتوسط هذه الاتجاهات والغزوات -إن صح التعبير- أساليب متعددة، ليست آخرها عملية إثارة القضايا الإشكالية من بوابة تطوير المناهج التعليمية في بلد من البلدان، كما هو مثار مؤخرًا على المستوى اللبناني.


    وفي سياق مواجهة الكثير من المفاهيم الملتبسة التي تطرح في هذا الميدان، تأتي أهمية هذا الكتاب ، وأهمية تسليط الضوء مجددًا عليه، والذي أُعد كمتن تدريسي جامعي يستهدف شريحة شبابية هامة وحيوية وفعالة على المستوى الثقافي والعلمي والاجتماعي، حيث تنطلق الكاتبة بتقديم مجموعة من المباحث، والعناوين، وقد تناولت في المبحث الأول تحديد المكانة الإنسانية للمرأة، والنظرة الفلسفية لها، وقد ناقشت أقوال وآراء الفلاسفة-المسلمين منهم، والغربيين- عند بيان وجهة نظرهم حول مكانة المرأة، وقد خلُصت إلى اشتراك المرأة والرجل في المكانة الإنسانية، وهذا لا يعني تساويهما في الآثار.


   ثم تناولت الكاتبة، المكانة الإنسانية للمرأة في القرآن الكريم، حيث عرضت لثلاثة مجموعات من الآيات القرآنية، فالمجموعة الأولى من الآيات تتناول اشتراك الرجل والمرأة في سبيل الوصول إلى السعادة، والمجموعة الثانية، تتناول وحدة النفس التي خُلق منها الرجل والمرأة حيث استفيد منها وحدة الجوهر الإنساني، أما المجموعة الثالثة، فتشير إلى الوحدة في الخلقة الجسمانية والحقيقة الروحانية.

   أما المبحث الثاني، فقد تناولت الباحثة موضوع المكانة القيمية للمرأة، حيث بيّنت السرد التاريخ والبحث الفلسفي لهذا الموضوع، ومناقشة النظريات التي قُدمت في هذا المجال، بعدها عرضت الكاتبة وناقشت مسألة تساوي المرأة والرجل في التكريم(الإلهي)، ومن ثمَّ عرضت مجموعة من الشبهات التي تحط من مكانة المرأة في الفكر الديني، وناقشتها، ودفعت ملابساتها.


    في المبحث الثالث، عرضت الباحثة الاختلافات التكوينية بين الرجل والمرأة، إذ تبدي الكاتبة رأيًا، يحتاج إلى الكثير من التأمُّل والدراية، حيث قالت ما نصه: "الاختلافات التكوينية هي الفروقات غير المكتسبة التي ترافق الشخص منذ ولادته، أو هي من الصفات الجنسية الثانوية التي تظهر مع فترة البلوغ فصاعدًا، وعلى الرغم من أن هذه الصفات غير اكتسابية إلاّ أنها إلى حدٍ ما قابلة للتغيير من خلال استخدام الأساليب التربوية أو الطبية" ، حيث كان ذلك كمدخل للبحث في الاختلافات بين الرجل والمرأة، بعدها عرضت للاختلافات في الأدبيات العلمية، ثم تطرقت للاختلافات في النصوص الدينية، ومناقشة ذلك، بعدها جاء البحث في فلسفة التفاوتات.


المبحث الرابع، خصص للبحث في الهوية والأدوار الجنسوية، وهنا أيضًا تطرقت الكاتبة إلى هوية الفرد الجنسية، حيث عبّرت بما يلي: "هوية الفرد الجنسية هي التصور أو الفهم الذي يكوّنه الفرد عن نفسه كرجل أو إمرأة، وتساعد العناصر الطبيعية مثل الأعضاء التناسلية والخصائص البيولوجية الأخرى ...في تشكيل الهوية" ، وهذا كلام أيضًا يحتاج إلى تدقيق ودراسة جيدة، وعلى ما يبدو هناك طُروحات في هذا الباب، وفي هذا المجال، قد تحتاج إلى مزيد من الدراسة والتأمل، والتدقيق العلمي.


    لقد تطرقت الكاتبة إلى البحوث حول الهوية الجنسية، والنظريات المتعددة في بلورة الأدوار الجنسية للمرأة والرجل، وقد ناقشت ذلك -ووفقًا للنظرة الإسلامية أيضًا- باقتضاب، كون الكتاب تعليمي - كما أسلفنا ذكره- وليس تحقيقي أو استدلالي.


   وأما المبحث الخامس فقد تطرقت الكاتبة إلى العلاقة بين المرأة والرجل، وميّزت بين العلاقة الوجودية والعلاقة الوظيفية، ثم بحثت في النظريات المطروحة حول العلاقة بين المرأة والرجل، وقد ناقشت ونقدت ما تيسَّر لها، وفي بعض الموارد استندت في نقدها على الآيات القرآنية، وآراء بعض المفسرين والمفكرين المسلمين كالعلامة السيد الطباطبائي والشهيد مطهري(رضون الله تعالى عليهما).

  وفي المبحث السادس، تناولت الكاتبة مسألة المساواة، حيث أرادت مناقشة الموضوع من ناحية التساوي الكامل في الحقوق، وقدّمت الأدلة والنظريات الاجتماعية المطروحة في هذا المجال، وناقشتها بشكل مُقتضب، كما عرضت نظرية التناسب في الحقوق، وأدلتها، وقد تطرقت أيضًا إلى المساواة في الأخلاق(الجنوسة والقيم)، وعالجت السؤال التالي: "هل ثمة فضائل نسائية وأخرى رجالية؟" وهو بحث هام، وضروري.


    أما في المبحث السابع تناولت الكاتبة مبحث النسوية (Feminism)  وهي النظرية التي تنطلق من أن النساء -عبر التاريخ-اضطُهدنَ أو أنهُنَّ مررنَ بظروف غير متكافئة بسبب أنوثتهن، وقد سردت الكاتبة تاريخية هذا الموضوع، والموجات النسوية الأربعة التي تتناول الاتجاهات والمقاربات الفكرية والميدانية لهذه القضية في الغرب، فالأولى كانت منحى الاعتراض على الفكرة الدينية الكنسية الحاكمة، التي تقول بأن طبيعة الإنسان شريرة، وحوّاء كمرأة هي التي سبّبت بخروج نبي الله آدم(عيه السلام) كرجل من الجنة، حيث تمثلت هذه الموجة برفض كل ما يرتبط بهذه الفكرة ومنحاها وتجلياتها العملية، وساعد في ذلك بروز الثورة الصناعية، حيث كانت أولى تداعياتها الاجتماعية هو تحرُّر المرأة للخروج إلى سوق العمل، وقد تكللت هذه الجهود ببروز الحركة النسوية الليبرالية، التي دعت إلى المساواة بين الرجل والمرأة، وطالبت بحقوق المرأة ودورها الاجتماعي والسياسي.


 أما الموجة الثانية من الحركة النسوية، أواخر الستينات وبداية السبعينات، حيث غلب خطاب النسوية الراديكالية، مع بقاء الحركة النسوية الليبرالية في أمريكا خاصة، فالحركة النسوية شعرت في هذه الفترة بالحاجة إلى البناء النظري لقضية المرأة، حيث طرحت فكرة السلطة الأبوية(البطركية)، والتي تتناول الدور الأسري للمرأة، وقضية العنف الأسري التي تتعرض له، كذلك طرحت-خلال هذه الفترة- قضية التفريق بين الدور الجنسي(sex)، والدور الجنوسي(gander)، للاشرارة إلى النوع الاجتماعي، وكذلك عدت "المثلية" استراتيجية أساسية في هذه المرحلة، وقضية ملكية الجسد وحرية التحكم بالجسد، وأكثر أمر تمت مهاجمته في هذه الفترة هو مسألة الأسرة والزواج، حيث أن الأسرة –بنظرهم-المكان الأول التي تضطهد فيه المرأة، حيث برزت نظريات واتجاهات تحليل نفسي من قبل النساء، ومن خلال تجاربهن الشخصية.
الموجة الثالثة، حيث ظهرت على أرضية ظهور تيار ما بعد الحداثة، الذي نشأ مع نيتشه-ثم مع جاك دريدا، وميشال فوكو، وجان فرنسوا ليوتار، وجان بودريار، وفيتكنشتاين، الذي وجّه انتقاداته للحداثة، وقد نهل النسويون من طُرحات تيارات ما بعد الحداثة، وصاغوا رؤيتهم للقضايا النسوية المختلفة، وقد عرضت الكاتبة الاتجاهات المتعددة للنسوية (النسوية الليبرالية، النسوية الماركسية، النسوية الراديكالية، النسوية الاشتراكية) وقدمت نقدها بإيجاز.

 

هذه كله في الجزء الأول من الكتاب، أما الجزء الثاني، فتستهلّ الكاتبة البحث في الحقوق والتكاليف، حيث شرحت المقصود من النظام الحقوقي الإسلامي، وماذا يقصد "بنظاميته"، ثم تناولت في بحثها وضمن القسم الأول التكاليف الفردية، فبعد أن تناولت موضوع البلوغ عند الإناث من وجهة نظر فقهية، والأدلة في ذلك، والفارق الفتوائي بينها وبين بلوغ الذكر، كما بحث في سن الرشد، وهو بحث قرآني وروائي اجتهادي هام.


  أما في المبحث الثاني من هذا الجزء فهو بحث العبادة، حيث تناولت دائرتي الاشتراك والافتراق بين الذكر والأنثى في الأمور العبادية، بعدها كان البحث حول المرأة والأسرة، حيث حددت تعريف الأسرة وبنيتها، ونظام القيادة في الأسرة، والفعالية الجسدية والنفسية والجنسية والاجتماعية، وعوامل متانة الأسرة، وهي موضوعات هامة وضرورية في هذا المجال.

 

   بعدها تناولت الكاتبة موضوع الزواج، من حيث السن في الإسلام، وأساليب اختيار الزوج، والخطبة، والعقد، والولاية، والمهر وأقسامه، ثم مبحث الزوجية حيث عرضت مقاربة علم النفس المعاصرين، وكذلك علم الاجتماع للزواج، كما تناولت عرض اتجاه الحركات النسوية إزاء الزواج، مبيّنةً ومناقشةً لها على ضوء الرؤية الإسلامية، وتعاليمها، وآداب ومستلزمات الحياة الزوجية. 


   أما في المبحث الرابع من الجزء الثاني، فقد تناولت الكاتبة موضوع الأمومة، وكيف قدّمت الحركة النسوية رؤيتها في هذا الجانب، وقد ضمنت هذا المبحث المقاربة الإسلامية لهذه القضية، وكذلك في المبحث الخامس، حيث كان خصصته الكاتبة لمسألة القِوَامَة، من حيث المفهوم، وإدلة قوامية الرجال على النساء، ومعيارها، ونطاقها، ومجالاتها.

   في المبحث السادس تناولت الكاتبة قضية حيوية، ومحل تجاذب واختلاف في وقتنا الراهن، وهي قضية التمكين والنشوز، مبيّنة لمفهوم التمكين، ومصاديقه، وأنواعه، وأحكامه الشرعية، ثم تناولت مسألة النشوز، من حيث المفهوم القرآني والفقهي، بعدها عرضت مجموعة من آراء الفقهاء في أحكام النشوز، ومراحل المحددة للتعامل في هذا المجال، وناقشت بعض الآراء المعروضة في هذا المجال.


     لقد أفردت الكاتبة المبحث السابع لمسألة النفقة، أدلتها، شروط وجوبها وسقوطها، ومقدارها، ومعيارها، والنفقة قبل الزفاف وبعد العقد، وخصائص النفقة، وفلسفتها، وأما المبحث الثامن فهو موضوع العُنْف، حيث تناولت العنف بشكلٍ عام، والعنف الأسري، وعوامله، والنظريات الجزئية والشاملة في ظاهرة العنف لدى الإنسان، ونظرة الإسلام إلى العنف، وآداب تعامل الزوج مع زوجته، ثم مناقشة العنف والقيم الدينية.


   في الفصل التاسع، تناولت الكاتبة موضوع الطلاق، من حيث الأدلة القرآنية، والروائية، وأقسم وأحكام الطلاق، فضلاً عن بيان أسباب ارتفاع نسبة الطلاق، حيث أوردت أسباب التغيرات الفكرية، والبنيوية، ومكانة المرأة والمشاكل الاقتصادية، وخلو العلاقة الأسرية من العلاقات المعنوية، والحراك الاجتماعي والطبقي، وضعف الوعي والمهارات، وآثار وعواقب الطلاق، على الزوجين والأبناء، والمجتمع، وسبل تقليص نسبة الطلاق.


    موضوع تعدد الزوجات بحثته الكاتبة في الفصل العاشر، وقد تناولت الآيات المباركة التي تعرض فيها القرآن الكريم لهذا الموضوع، وآراء المفسرين، ثم عرضت آراء الفقهاء، وناقشتها، مع بعض التحفظات التي يمكن إبداؤها هنا، بعد ذلك عرضت فلسفة تعدد الزوجات، ثم عرضت مجموعة من الأسباب التي تستلزم تعدد الزوجات(إزدياد معدل النساء، ارتفاع معدل وفيات الرجال، الاوضاع الاجتماعية والاقتصادية، الرغبة في الانجاب، حاجة الرجل إلى أكثر من زوجة)، ثم عرجت على مجموعة من الشبهات التي تثار حول هذا الموضوع(تعدد الزوجات) وردت عليها، وقد كانت مقارنتها ومناقشتها وردها أمرًا دقيقًا ومهمًا، بعد ذلك تناولت الآداب الأخلاقية لتعدد الزوجات.

 

   أما في المبحث الحادي عشر، فقد تناولت مسألة الإرث، خاصة مسألة إرث الزوجة من الأملاك غير المنقولة لزوجها، من الناحية القرآنية والفقهية، وأما في القسم الثالث من الكتاب، فقد عنونته الكاتبة بعنوان المرأة والمجتمع، حيث استهلت المبحث الأول وتناولت قضية دور المرأة في ظل التغيرات الاجتماعية، ودور بعض النساء في المشاركة السياسية، والنظريات المتعددة حول هذه المشاركة، كنظرية الفرق الفسلجي، النظرية الاجتماعية، النظرية النفسية، نظرية النظام الأبوي، بعدها بحثت المشاركة السياسية للمرأة من النظرة الإسلامية، وبحث في الجانب القرآني الفقهي لهذه المشاركة، وموضوع دور المرأة في الجهاد، ومقاربة ذلك من الناحية الفقهية، والقرآنية، والروائية، والتاريخية، والعملية، وختمت مباحثها، بقضية عمل المرأة، من حيث الخلفية التاريخية، والأسباب، وآثار عمل المرأة، على مستوى الأسرى، وغيرها.


 
    لقد شكل هذا الكتاب، أهمية خاصة، بسبب شموله لأهم القضايا المطروحة في الساحة الخاصة بالمرأة، وأن من يناقش ويعالج ويستعرض ويستدل هو "إمرأة" لديها الخلفية الإسلامية الأصيلة، ونشأت في الصروح العلمية الإسلامية، وجمعت في شخصيتها العلمية بين العمق الحوزي، والمنهجية الجامعية، وقد أظهرت مكتسباتها العلمية من خلال معالجاتها ومناقشاتها لمختلف القضايا المطروحة، ضمن هذا الكتاب، بطرق إستدلالية وإحاطة تحليلية، والتي تتناول إشكاليات لا تزال مفتوحة للنقاش على المستوى العلمي والبحثي، ومن الأهمية بمكان إعادة تسليط الضوء على هذا الكتاب في ظل ما يثار من قضايا ومفاهيم ملتبسة في سياق تطوير المناهج التعليمية في العديد من البلدان، وخاصة في لبنان.

 

لتنزيل المقال مع الهوامش إضغط هنا 

 

 


*الشيخ الدكتور عباس كنعان : بحث متخصص في المناهج التربوية ومدير تطوير المناهج في مركز الأبحاث والدراسات التربوية / لبنان
 

أضيف بتاريخ :2022/06/23 - عدد قراءات المقال : 284