الى الاعلى
  • وَارْحَمُوا صِغَارَكُمْ، وَصِلُوا أَرْحَامَكُمْ، وَاحْفَظُوا أَلْسِنَتَكُمْ، وَغُضُّوا عَمَّا لا يَحِلُّ النَّظَرُ إِلَيْهِ أَبْصَارَكُمْ

الرسول الأكرم (ص) .. القائد المربي والقدوة


الرسول الأكرم (ص) .. القائد المربي والقدوة 

 

د.علي كريّم

تحكم مسار التاريخ مجموعة من الأحداث التي يصنعها الإنسان، وبقدر ما يكون الحدث عظيماً، فهو يعكس مدى عِظَم الشخصية التي صنعت هذا الحدث. فإذ كان الحدث يُمثل مشروعاً للتغيير الاجتماعي وللتأثير في مسار البشرية القادم، فلا بد من حضور الشخصية القيادية الاستثنائية التي يمكنها أن تُحدث ذلك. 


هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، تعتبر حركة الإنسان عبر التاريخ حركة تكاملية تغييرية، إذ تنزع دوماً نحو الأفضل بدليل ما استطاعت تحقيقه من بحث متواصل عن التقدّم وتأمين مستلزمات الحياة في مختلف صعده؛ وتحتاج هذه الحركة إلى إرشاد ورعاية وتوجيه وإعداد للعدة اللازمة وفق قوانين الطبيعة ومتغيراتها.


هذا التقديم يقود في البدء إلى البحث عن مشروع التغيير الإنساني الموغل في التاريخ، وعن المؤهل الذي يمكنه حمل المواصفات الخاصة كقائد بستطيع أن يكون صاحب هذا المشروع، ليكون من خلال شخصيته حجّة عمليّة على الآخرين في تبنيه، والإقدام على تحمل المصاعب والعقبات للوصول إلى النتيجة المرجوّة منه. لذا، فالسؤال الذي يفرض نفسه في هذا الإطار:


من هو هذا القائد الذي يمكنه أن يقود هذا المشروع؟، وقبل ذلك، لا بد من طرح سؤال استباقي:
ما الذي يجب أن تتمتع به هذه الشخصية لتقود البشرية نحو  الأهداف المرصودة لهذا المشروع؟ 


إن  الإجابة على السؤالين السابقين لا تنفكان عن بعضهما البعض، فالأمر ليس بالسهل أن يحضر المشروع في أي قائد كان؛ فبالنظر إلى التفاوت في المواصفات بين قائد وآخر، يبرز التفاوت في درجات الأهداف ونوعيتها كعلامة فارقة بين مختلف القادة الذين قدمهم التاريخ عبر تجاربهم، أو الذي يمكن أن يُقدِّمهم لاحقاً. 


فالقائد صاحب القدرة والأهلية والقابليات والتأثير والفعل والتجربة على مختلف الصعد الحضارية (السياسية والاقتصادية والتربوية والاجتماعية  والنفسية ... ) يمكن أن يقدِّم التجربة الرائدة التي تستأهل الاستمرارية والتأثير في مجريات الأحداث اللاحقة، وتكون هذه التجربة أيضاً -ولو على مستوى مجتمع صغير- حجّة عملية يمكن البناء عليها.


 انطلاقاً مما سلف، وبالنظر إلى مشروع رسالة الإسلام الخاتمة للديانات، بمختلف أبعادها الإنسانية والهادفة نحو تحقيق التكامل الاجتماعي، يستلزم حضور الشخصية الأكمل والأقدر على حمل هذه الرسالة وقيادة المجتمع نحو ذلك الهدف. لماذا؟


لأن الأمر يتطلب نموذجاً يمكن السير على خطاه من ناحية، ومن ناحية أخرى للتآزر والنصرة على تحقيق المشروع، وإلا لذهب كل فرد بمشروعه الخاص، ولتشتت البشرية في أهدافها ومشاريعها التي قد ترى فيها اختلاف مذاهبها كمالاتها المحدودة.


من هنا يمكن الدخول إلى الحديث عن شخصية الرسول الأكرم محمد بن عبد الله (ص)، وهي الشخصية التي حملت أكبر مشروع تغييري عرفته البشرية، لأنه مشروع ليس لمرحلة دون أخرى أو مكان دون آخر، بل لمسار الإنسانية كلها. وفي البحث عن الخصائص والميزات التي حضرت في شخصه المبارك يمكن رصد التالي:

  1. عند العقلاء من الباحثين، المتأخرين منهم والمتقدِّمين، يرون بأن شخص الرسول (ص) هو أعظم قائد عرفته البشرية، فما أتى به كان فوق المتوقع والمعقول في مجتمع أبعد ما يكون عن المقبولية في التاريخ، إذ كان الرجل الاستثنائي في البيئة الاستثنائية.
     

  2. عظمة الشخصية حاضر من مقدار الإيمان بها والتسليم لها، كما والتصديق بما جاءت به إلى يومنا هذا، والقناعة التامة والراسخة بأن ما قدمه يندرج في إطار المشروع الإصلاحي التربوي التكاملي للبشرية، خاصة وأن الإنسان هو محور التغيير الذي لا بُد وأن يُصنع لأجل هذه الغاية، وهو يحتاج في إطار المشروع إلى القائد.
     

  3. العمل على صناعة القدوة المرتبطة بالله تعالى، فحركة الرسول (ص) من أوّلها إلى آخرها كانت حركة إلهية، تسير وفق المشروع الإلهي؛ لذا كانت الشخصية العاملة على تعزيز ملكات الثبات والإيمان والصبر والجهاد والتوكل، وفي نفس الوقت تمتلك الرؤية الاستراتيجية في إرساء قواعد وأسس الدين وما يمكن أن تحتاجه البشرية في إطار مسارها التكاملي المرصود.

 

هذه الشخصية، وبهذه العظمة التي تحضر بها، تهدي إلى جملة من الدروس والعبر التي يمكن الأخذ بها على مستوى القيادة التي تجلّت في شخص الرسول الأكرم (ص) القائد المربي والقدوة، والتي نحتاجها لبناء نموذج معاصر يقتفي الأثر من تلك التجربة، تتجلى من خلال: 
 

  • أولاً: مراعاة الهوية القيمية في مشروع بناء الإنسان، فالرسالة الإسلامية صاغت كل الأبعاد في الشخصية الإنسانية بهدف صناعة الإنسان وبثّ القيم الإلهية، وكانت الشخصية القيادية لرسول الله (ص) خير نموذجٍ مرشدٍ ومربٍّ في ذلك، بل وحريصة على هداية الآخرين لأجلهم هم لا لأجله هو، وفي قوله تعالى { لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} (سورة التوبة المباركة، الآية 128) خير دليل على ذلك.
     

  • ثانياً: مراعاة البعد الزماني في تقديم النموذج، فمن الواضح أن مشروع الرسول الأكرم (ص) لم يكن لتختصره سنوات عمره المحدودة، بل إن الأهداف التي رُسمت لهذه الرسالة تحتاج إلى عصور ممتدة ومراحل تاريخية متعاقبة للوصول إلى ما تصبو إليه البشرية من كمالاتها. فكما كانت الرسالة حاضرة في التاريخ، فهي اليوم أيضاً يجب أن تحضر بما تحقق من استمرارية لمشروع التغيير الإنساني الهادف نحو التكامل.
     

  • ثالثاً: الإيمان دوماً بالنصر لأن التجربة القائمة وفق السنن الإلهية تحتّم ذلك، والآية القرآنية واضحة في هذا السياق: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} (سورة محمد المباركة، الآية 7)، هذا فضلاً عن كون التجربة هادفة، ولا بد أن توصل البشرية إلى كمالاتها.
     

  • رابعاً: صناعة الشخصية القيادية المتميِّزة والعارفة بالواقع بما يعتريه من تحديات، والمعتقدة بأن حركة الرسول (ص) وقيادته كانت هادفة منذ بداياتها، ليُكمل المشروع وفق الرؤى الاستراتيجية التي انبنت عليها منذ الأيام الأولى لتبليغ الرسالة المحمدية. وهذا يدفع باتجاه قراءة الشخصية بأبعادها الإنسانية والجهادية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والتربوية و ... وغيرها.
     

في الخلاصة، إن حضور الشخصية بهذا الزخم التاريخي، ورسم المسارات الإنسانية نحو الرقي والتقدّم، والاعتقاد بأنها تتكامل مع الفطرة الإنسانية بما ينسجم في جوهرها مع العقل والحكمة، يُحتِّم علينا التعلم من التجربة واتخاذ هذا الرمز الإلهي الإنساني القائد مربياً حقيقاً وقدوة في مختلف ميادين وساحات واقع الحياة . 
 


د. علي كريّم مدير الدراسات الميدانية في مركز الأبحاث والدراسات التربوية 

أضيف بتاريخ :2021/03/09 - آخر تحديث : 2021/03/09 - عدد قراءات المقال : 1210