الى الاعلى
  • وَارْحَمُوا صِغَارَكُمْ، وَصِلُوا أَرْحَامَكُمْ، وَاحْفَظُوا أَلْسِنَتَكُمْ، وَغُضُّوا عَمَّا لا يَحِلُّ النَّظَرُ إِلَيْهِ أَبْصَارَكُمْ

كورونا في الميزان التربوي ؟


كورونا في الميزان التربوي ؟


إعداد: عباس كنعان 
     
   قد يكون من نافل القول أن الوباء العالمي فيروس كورونا، أو ما يُعرف بكوفيد (COVID-19) ، أصبح قضية بشرية عالمية، بل قد تكون تلك القضية الأكثر اهتمامًا على مستوى مختلف الشعوب في وقتنا الراهن، فلهذه القضية الطارئة انعكاساتها وآثارها الصحية، والاقتصادية والاجتماعية،... والنفسية التي بدأت تتجلى على مستوى القلق والخوف الذي يلف مختلف الشرائح، وغيرها من الآثار التي بدأت تظهر أو لم تظهر حتى الآن، كما أن لهذه القضية مشهدية تُرسم على مستوى الحياة الاجتماعية والأسرية الفردية والعامة، وتكاد تزدحم الأفكار والأسئلة في أذهان الناس، كازدحام تلك الأخبار المتناقلة عبر الوسائط والوسائل التقنية الحديثة، أسئلة تصل إلى حد تدفع الإنسان باتجاه إعادة النظر في الكثير من مناحي حياته وجوانبها المختلفة، ففي الوقت الذي يكثر فيه البحث عن منشأه أو مصدره أو علة انتشاره، وهل هو وباء مفتعل ضمن سياق حرب بيولوجية فتّاكة ، لا وجود للقيم الأخلاقية، ولا قدسية لها، ولا احترام للإنسان وحياته؟! أم أنه نتيجة طبيعية لمسار حياتي جيني في الطبيعة، وطريقة تفاعل الإنسان معها؟!  أو أن ذلك نتيجة غضب الخالق على ما آلت إليه البشرية من مستوى الانحطاط الأخلاقي والاجتماعي الذي شمل البشرية على نحو عام؟!


كل ذلك لا يمنعنا من نصّور الأمر في بعده التربوي والسلوكي أيضًا، فما هي الجوانب التي يمكن أن يعكسها هذا الأمر على الواقع التربوي وأبعاده المختلفة؟ فالتربية بما تلحظ من ساحات وأبعاد متعددة للإنسان، وتنطلق من فكر تربوي محدد، باتت مسؤولة لتجيب على الأسئلة التالية:

 

  1. لو سلمنا بأن ذلك الوباء هو من فعل الإنسان، فما هو دور التربية في المجتمعات التي تحتضن ذاك السلاح البيولوجي الفتاك؟! وماهو دور الناس والشعوب بإزاء تلك السلطات المجرمة التي تعمل وتحمي وتبني تلك المنظومة القاتلة؟! ما هو دور الفلسفة التربوية أو الفكر التربوي بإزاء هذه الظاهرة؟! هل يمكن أن تنفك العملية التربوية والتعليمية عن البعد الأخلاقي والقيمي الذي يحفظ الإنسان، ويجعله كائنًا محترمًا له حقوقه ومكانته حتى لو كنا نختلف معه في الفكر والعقيدة والسياسة؟! ما هو الموقف والدور الأخلاقي للمربين الذين يحملون تلك العلوم ويؤدون واجبهم التربوي؟! هل يمكن للعلم أن ينفك عن الأخلاق؟! هل يمكن للتربية أن تخلو من القيم والمبادئ الإنسانية؟!
    ولا تزال تتوالى تلك الإسئلة حتى تنحكم إلى مبدئ ينادي العلم دائمًا بأن لا ينفك عن البعد الأخلاقي والقميمي. 

  2. ولو قلنا بأنّه (هذا الوباء) نتيجة طبيعية لمسار حياتي جيني في الطبيعة، وطريقة تفاعل وعلاقة الإنسان معها؟! سواء على مستوى الغذاء والمأكولات، واستخدام مواردها الطبيعية، ومخزوناتها الجوفية والحيوية، أو على مستوى غزو الفضاء واستخدام موارده الهائلة للاتصالات والتقنيات المخبرية، أيضًا يدعونا إلى طرح مجموعة من الأسئلة وتحميل التربية وفكرها وفلسفتها ومناهجها وبناء وتصميم هذه المناهج، وأدواتها ووسائلها، والممارسات العملية للمتربين والإدارات التعليمية ومندرجات العملية التربوية، فهي مسؤلة –شاءت أم أبت- على كيفية بناء تلك المنظومة التربوية والتعليمية، بكل مندرجاتها وجوانبها، ومبانيها، وأفكارها، وأنشطتها. 

  3. ولو كان ذلك الوباء هو نتيجة لغضب الله تعالى الخالق المدبّر الرحمن الرحيم المقتدر؛ وذلك لما آلت إليه البشرية على مستوى الانحطاط الإخلاقي والاجتماعي، الذي شمل البشرية على نحو عام؟! بهدف إعادة الإنسان إلى المسار القويم، وإعادة هز بنيانه من الداخل، فكم هي حاضرة تلك التعاليم والارشادات والأحكام الربانية التي لم تكن إلا لتكامل الأنسان، وسعادته، وسموه وارتقائهّ في العملية التربوية ؟! كم هي حاضرة تلك العلاقة الروحية والمعنوية مع الله تعالى المدبر والخالق؟! قيم الصدق، والوفاء، والتعاون والإخلاص والحب؟! كم هي حاضرة تلك القيم التي تحفظ خصوصية الإنسان الأنثى؟! وخصوصية الإنسان الرجل؟! وطبيعة العلاقات التكاملية بينهما،... إلخ، وما هو دور العقل والتعقل والإيمان في ذلك؟! فهل يمكن لنا أن نبرِّئ التربية بمنطلقاتها؟ ومرتكزاتها؟! وفعلها ومضامينها؟ والقيمين عليها من ذلك كله؟!

وحتى لو تأملنا في واقع سلوكاتنا نحن كبشر، وتعاملنا مع انتشار هذه الوباء أو الحد من انتشاره، أو الوقاية منه، كيف يمكننا أن نطلق حكم البراءة على التربية في بناء العادات الصحية والوقائية،..إلخ.
إن ذلك يدعونا إلى إعادة النظر بما هو سائد على مستوى التربية والتعليم على المستوى البشري والإنساني بشكل عام، انطلاقًا من إعادة صياغة الفلسفة التربوية السائدة والحاكمة ومنطلقاتها ومبانيها ومرتكزاتها وأصولها التربوية، وصولاً لإعادة تطوير المناهج ومحتوياتها، وأهدافها ومضامينها... ، ومن ثمَّ التأمل والتدقيق على مستوى عاداتنا وثقافتنا الصحية والوقائية والسلوكية الخاصة، وذلك في سبيل العودة إلى بناء تربية قادرة على جعل الإنسان سليم وقويم العلاقة مع  نفسه، وخالقه، ومجتمعه، وكل الخلقة، بما تحمل تلك العلاقات من حاكمية القدرة الإلهية والحكمة الربانية لخلق الإنسان وتكامله في سبيل سعادته والقرب من الله تعالى: (وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا) ، ولن يقوم لهذه التربية قائمة ما لم تستند إلى البعد الرباني والإلهي في بنيانها، وبنائها، وتنحكم للعقل بما يحتويه من قدرات هائلة مكنونة، خاصة إذا كان صافيًا صادقًا، بعيدًا عن كل الرذائل والأهواء.


 والله ولي التوفيق والتسديد

لتنزبل المقالة مع المراجع إضغط هنا


الدكتور الشيخ عباس كنعان

  • مدير مديرية تطوير المناهج التربوية في مركز الأبحاث والدراسات التربوية 
  • دكتوراه في المناهج التربوية 
  • باحث إسلامي متخصص في مجال الأسرة والفكر التربوي.

أضيف بتاريخ :2020/03/16 - عدد قراءات المقال : 1132

الكلمات المفتاحية : كورونا ميزان تربوي