الى الاعلى
  • وَارْحَمُوا صِغَارَكُمْ، وَصِلُوا أَرْحَامَكُمْ، وَاحْفَظُوا أَلْسِنَتَكُمْ، وَغُضُّوا عَمَّا لا يَحِلُّ النَّظَرُ إِلَيْهِ أَبْصَارَكُمْ

المدرسة والتحولات المجتمعية في لبنان في السياق والدور والوظيفة


إضاءة على دراسة : 

المدرسة والتحولات المجتمعية في لبنان في السياق والدور والوظيفة
(نموذج المدرسة الرسمية في الضاحية الجنوبية لبيروت)

أطروحة دكتوراه في علم اجتماع التربية - إعداد الدكتور قاسم رشيد كلوت -  عام 2010

 

مع التطوّر الحاصل في مجال العلوم والتربية، باتت المدرسة تُقارب من أحد منطقين، المنطق الأوّل وهو منطق علميّ يعتبر أنّ هناك تغيّرات مجتمعيّة تواكبها المدرسة وتكيِّف المتعلّمين من خلال تطويع المناهج بما يخدم تلك التغيّرات لتنمّي شخصيّة الطفل بمختلف أبعادها، ولتمنحه القدرة على فهم المجتمع، ولتؤهّله نحو الاختصاصات الموافقة لطموحه، ولتحضّره لمجتمع الغد. أمّا المنطق الثاني فهو منطق شعبيّ سائد وملموس، يوجِّه النقد اللاذع لما تؤدّيه المدرسة اليوم من وظيفة ودور.


هاتان المقاربتان دفعتا باتجاه إعادة النظر بالأدوار والوظائف المنوطة بالمدرسة كمؤسّسة مجتمعيّة رائدة كما دفعتا باتجاه طرح هذا السؤال "إلى أيّ حدٍّ تبرز الحاجة لإعادة النظر بمؤسسة المدرسة في القطع مع التقليد، وخلق واقع تربوي تعليمي جديد يواكب التحوّلات المجتمعيّة في لبنان والعالم؟"


وللتحقّق من ذلك كان لا بدّ من معاينة الواقع انطلاقاً من دراسة ميدانيّة تلاحظ من الجهة الأولى المدخلات التعليميّة التي انبنت عليها المدرسة اليوم وفق رؤىً ومناهج أقرّتها الجهات المختصّة، ومن جهة ثانية تُلاحظ المخرجات التعليميّة على مستوى التلامذة، وتُلاحظ مدى التكيّف مع المدخلات المقرّة؛ فكانت المدرسة الرسميّة الساحة الأكثر تأهيلاً للمعاينة، باعتبارها مصداقاً حيّاً للمنهاج التعليمي الرسمي المقرّ من قبل الدولة، وباعتبارها مركز الاستقطاب الأوسع للتلامذة المنخرطين في ثقافة المجتمع السائدة.
فانطلاقاً ممّا تقدّم، هدفت الدراسة إلى المقارنة بين المدرسة اليوم والمدرسة في السابق، وإلى كشف التلازم بين المدرسة وحاجات المجتمع، كما هدفت للبحث حول الخدمات المدرسيّة ومدى تكاملها مع متطلّبات المجتمع، وحول مدى الثبات والسكون الملازم لبعض المدارس بعيداً عن المتغيّرات المجتمعيّة، بالإضافة إلى تقييم واقع المدرسة اليوم، واختبار مدى حاجتها لإحداث تغييرات مواكبة للتحوّلات المجتمعيّة.


قُسمت الدراسة إلى بابين، الباب الأوّل يتضمّن ستّة فصول وُزّعت كالتالي: الأوّل "التربية فلسفاتها وماهيتها وأهدافها"، والثاني "تاريخ التربية والتعليم: نماذج من العالم ولبنان"، أمّا الثالث "المدرسة كمؤسسة مجتمعية تعيد إنتاج المجتمع"، والرابع "الثورة التكنولوجية وانعكاساتها التربوية"، أمّا الخامس "المدرسة وإشكاليات التحديث" والسادس والأخير بعنوان "القيم التربوية المدرسية في ضوء التحولات المجتمعية في لبنان".


أمّا الباب الثاني فيتضمّن خمسة فصول وُزّعت كالتالي:
الفصل السابع "عينة البحث وخصائصها واختبار الفرضيات"، والثامن "التلميذ بين تعليم المدرسة وعالم الوسائط الالكترونية"، أمّا التاسع "التعلّم التفاعلي بين الواقع المقيَّد والمطلوب المحجوب"، والعاشر "تدريس المناهج المعولمة بالأدوات المحلية"، أمّا الفصل الحادي عشر "النظام التربوي اللبناني ومدرسته ... أي مستقبل؟"


وفصل أخير عرض فيه الباحث النتائج العامة للدراسة فكانت على الشكل التالي:

  1. إن المعارف التي يكتسبها تلميذ المدرسة الرسمية خارج أسوار المدرسة، تفوق بكميّتها ونوعيتها تلك التي يتلقاها داخلها من خلال المناهج الدراسية.

  2. إن الضبط والنظام غير التشاركي في المدرسة، وتناقضهما مع مساحة الحرية والاختيار التي يتمتع بها التلميذ خارج أسوارها بفعل بساطة التعلم عبر الوسائط الالكترونية، يؤدي إلى أزمات بينه وبين الإدارة ويتراجع مستوى تحصيله الدراسي نتيجة ذلك.

  3. إن التباين بين بعض القيم الأساسية التي يُنشَّأ عليها التلميذ في أسرته، وبين معظم القيم المعولمة الجديدة التي تعايشه في الشارع والإعلام وغيرها، تؤدي إلى التصادم مع القيم المدرسية المطلوبة، ويخلق توترات دائمة بين التلميذ الذي تريد المدرسة أن يكون، وبين المدرسة التي يريدها التلميذ أن تكون.

  4. إن التحصيل التعلُّمي غير المباشر  عبر  الكمبيوتر وشبكاته وبرامجه، تدفع التلميذ للملل والضجر من الأساليب التقليدية التعليمية، وتؤدي إلى النقص في المعارف العصرية الجديدة عنده.

  5. هناك هوّة واسعة بين ثقافة معظم المعلمين التقليدية وبين توق التلميذ لثقافة الحداثة العصريّة الوافدة، وتؤدي هذه الهوة أحياناً إلى صراعات قوة دائمة في الصف بين الاثنين، تنعكس على نتائج التلميذ وتساهم في التسرب المدرسي، خصوصاً في الصفوف المتوسطة والثانوية.

  6. إن المناهج الحديثة التي تُعلَّم بالأساليب التقليدية، تُخفِّض دافعية التلميذ نحو التعلُّم.

  7. إن المستوى المعرفي الذي يحمله المتخرِّج من المدرسة الرسمية، لا يؤهله لاختيار المجال الجامعي بدقة، نظراً لضعف خدمات الإرشاد والتوجيه المهني في مدرسته، وهذا قد يؤدي إلى ضياع سنوات من عمره دون فائدة.

  8. إن الحاجة إلى تغيير بنية النظام التربوي وخصوصاً تطوير المؤسسة التعليمية، باتت مطلباً موضوعياً وواقعياً لطرفين أساسيين فيه التلامذة وأهاليهم. 

 

بالعموم، فإن نتائج الدراسة قد أفضت إلى وجود صراع غير متكافئ بين كل ما هو تقليدي وكل ما هو جديد وعصري، فالطرف المعولم لديه أسلحة متنوعة لتطويع ما يرغب، والتصدي القائم يواجه بأسلحته القديمة وغير الفاعلة، وخاصة في الميدان القيمي؛ وهذا التحدي سيقود المدرسة إلى أحد خيارين لا ثالث لهما، أمّا الأوّل فهو إحداث عملية تغيير جوهرية تطال جوهر بنيتها بإدخال التكنولوجيا الحديثة، مع ما يتطلبه ذلك من تعديلات مادية وعينية، وأمّا الثاني فهو إبقاء الأمور على حالها، لينطلق المجتمع في تأسيس مؤسساته البديلة المتصلة بالعالم الافتراضي، ليشكل انقلاباً على المدرسة الحالية، ليصبح التعلّم في كتاب افتراضي، وصف افتراضي، وسيتم الحصول على شهادات افتراضية.


من الناحية الميدانيّة، قام الباحث بدراسته في ضاحية بيروت الجنوبية وفق الضوابط التالية:

  • عدد المدارس 12 مدرسة.

  • عدد المدراء 10 مدراء من أصل 12.

  • أفراد الهيئة التعليمية 54 معلِّم ومعلِّمة من أصل 400 تقريباً.

  • عدد التلامذة 239 تلميذاً وتلميذةً من أصل 2000 تقريباً.

  • عدد أولياء الأمور 104 ولي أمر من أصل 1500 تقريباً.

  • عدد الشخصيات التربوية 10 شخصيات.

وقد تمّ التوجّه إلى هذه العيّنات من خلال تقنيّتيّ المقابلة والاستمارة.


وأخيراً من ناحية الخلاصات، فقد خلُصت الدراسة إلى اعتبار أن المدرسة قد بدأت وفق آليات أفرزتها الحاجة الاجتماعيّة، وهذه الآليّات قد تطوّرت مع الزمن لتقدِّم نظاماً تربويّاً يعكس ما يسعى المجتمع في الوصول إليه من جهة، وعرض رؤيته للحياة والمجتمع من جهة أخرى. وقد بقيت المدرسة في حالة تكامل مع بقيّة مؤسّسات المجتمع، إلى حين وجدت نفسها أمام تحدي السرعة في التغيّرات الاجتماعيّة التي أصابت المجتمع خاصّة بعد الثورة التكنولوجيّة، وهنا قد فقدت المدرسة الكثير من أدوارها السابقة، ففي المشهد الجديد باتت المدرسة شريكاً في إيصال المعلومات وليست مصدراً رئيسياً، وشريكاً في صناعة الإنسان، وليست المصنع الأوحد، ومتلقّيةً للتغيير بعد أن كانت صانعته (أي في الموقع الهامشي وليس الرئيسي)، ولتعود المدرسة إلى موقعها الرياديّ،  لا بدّ من الأخذ بتغييرات جذريّة تطال المدرسة في الشكل والمضمون، ولا بُدّ من اعتماد نمط التربية الشاملة التي يمكنها أن تطال مختلف جوانب شخصية الإنسان ، هذا بالإضافة إلى ضرورة وجود تكامل بين المناهج والتطبيق بما يواكب تطورات العصر، وضرورة تطوير المدرسة بموازاة تطوير مؤسسات المجتمع الأخرى، وإلى إعداد الهيئات التعليمية إعداداً تربوياً بعد أن تم إعدادهم علمياً.


يختم الباحث أنّه مع هذه الشروط، يمكن أن تمرّ المدرسة بمرحلة انتقاليّة، قد تعاني فيها من انعدام التوازن أو الاختلال في المسار، ولكنها تستطيع أن تتجاوز مرحلة حسّاسة، قد تجمع لاحقاً بين القليل من التقليد والكثير من الحداثة، وتلبي حاجات المستقبل الرقمي.
 

 

إعداد الملخص : مرشد الدراسات الأكاديمية في المركز أ. محمد علوش 

 

أضيف بتاريخ :2019/04/05 - آخر تحديث : 2019/04/08 - عدد قراءات المقال : 457