الى الاعلى

تقسيمات ما فوق النظرية للمناهج metatheory of curriculum


تقسيمات ما فوق النظرية للمناهج
metatheory of curriculum

الكاتب : الشيخ محمد النمر*

مقدمة : 

  تشكل تقسيمات ما فوق النظرية للمناهج(1) احدى التحديات الكبرى لعلماء المناهج حيث تختلف التقسيمات باختلاف الاتجاهات والآراء والمعايير المتبعة لتقسيم هذه النظريات. وتعتبر العلاقة بين ما فوق النظرية للمناهج  ونظريات المناهج علاقة وثيقة، لذلك قد يخلط البعض بين النوعين وقد يختلط الأمر عليهم أكثر عند التطرق الى تقسيمات متعددة، لذلك سنقوم في هذه المقالة باستعراض أهم ثلاثة تقسيمات مستخدمة في علم المناهج: 1.رؤية آيزنر 2.رؤية جيرو وبنا وباينر 3. رؤية جان ملر.

قبل استعراض هذه التقسيمات لا بد من بيان الفرق بين نظرية المنهج وما فوق النظرية للمناهج  باختصار

نظرية المنهج : 
  لا يوجد تعريف واضح وصريح ومحدد لنظرية المنهج، فهناك عدة آراء في تفسير نظرية المنهج فمثلا يعتبر بوشامب Bouchamp  "أن نظرية المنهج عبارة عن مجموعة من البيانات المترابطة - وهي عبارة عن عناصر المنهج ( الاهداف، الطرائق والنشاطات،المحتويات، التقويم) - التي تعطي للمنهج قيمته أثناء العملية التعليمية" (2). اما لاندغرين Lundgren فيعتبر "أن تحديد نظرية المنهج هو من خلال العلاقة المنهجية بين التعليم والمناهج الدراسية. فيعتبر أن البحث في العملية التعليمية مصدر هام لنظرية المنهج أما المنهج بنظره فيسعى الى شرح العلاقة والارتباط بين المحتوى الدراسي وتقنيات التدريس". (2) 

  أما مكاتشون Mccutchon  فيعرف نظرية المنهج بانها مجموعة من التحليلات والتفسيرات والنتائج  المرتبطة بظاهرة المناهج، التي تتمتع بالخصائص الآتية: 
  • "يجب أن تكون نظرية المنهج قابلة للبحث والتطوير حتى يتمكن علماء المنهج من درسها ونقدها  وتقويمها وتطويرها أو رفضها من خلال البحث العلمي.
  • يجب أن تكون النظرية مبنية على اسس قوية وذات قيمة علمية، ويمكن من خلالها استكشاف القيم التربوية والاجتماعية وتبيينها وتحسين هذه القيم لدى المتلقي، وهذه العملية مستمرة قبل وبعد تدوين النظرية وأثناء نقدها وتقويمها وتطويرها.
  • مع أن النظرية تركز على المنهج التعليمي الا أنها لا يمكن اغفال اختصاصات العلوم الانسانية المرتبطة بالعملية التربوية كعلم الاجتماع وعلم النفس وغيرها من العلوم التي بدونها لا يمكن بناء النظرية". (3)

ما فوق النظرية للمناهج :  

  على الرغم من حداثة علم المناهج التربوية نسبيا بالنسبة لباقي العلوم الا ان النظريات والكتابات والابحاث التي كتبت خلال فترة قرن من الزمن تعتبر كثيرة نسبة الى باقي العلوم وقد دفع هذا النضج النظري كبار المفكرين الى تصنيف نظريات المنهج الى نظريات اكبر جامعة لعدة نظريات يطلق عليها ما فوق النظرية للمناهج  metatheory of curriculum وهي عبارة عن نظرية تتمحور حول النظريات  السائدة في علم المناهج. حيث تدرس اوجه التشابه والاختلاف بين النظريات وتصنيفها وفق ذلك أو تصنف وفق مدى امكانية التلفيق بين نظريتين أو أكثر في عملية تصميم المناهج .

تقسيمات ما فوق النظرية للمناهج : 

أ‌-تقسيم آيزنر: 
في كتاب المفاهيم التربوية(4) يقسم آيزنر الرؤى ما فوق النظرية للمناهج الى خمسة:
  •  رؤية التطوير والتكامل للعمليات المعرفية: واحدة من وجهات النظرالرئيسية في التعليم المدرسي هو الاعتقاد بأن المناهج واستراتيجيات التدريس يجب أن تساعد العمليات المعرفية للطالب. ومن أهم المدافعين عن هذه الرؤية أكثر علماء النفس خاصة اصحاب المدرسة السلوكية كبلوم وبرونر حيث يعتبرون أن المنهج يجب أن يتمحور حول البحث عن  الاشكاليات (البحث العلمي)  واثارة الاشكالية وروح السؤال لدى الطلاب ومن ثم محاولة ايجاد حلول لها من قبلهم.
  •  رؤية المنطق العلمي: من أقدم الرؤى حول المناهج الدراسية حيث تعتبر أن الدور الاساسي للمدرسة هو تنمية القوى الذهنية للطلاب من خلال اختيار موضوعات مناسبة للدراسة وتنمية القوى الذهنية. وتعتبر أنه يجب استغلال الوقت وعدم تضييعه في أمور تستطيع مؤسسات أخرى خارج المدارس أن تعلمه للطلاب ، ويجب استغلال وقت الطلاب في المدارس لتعليمه مسائل ذات قيمة ونوعية عالية تعلمهم كيفية التعامل وفهم قضايا الحياة.
  •  رؤية التناسب الشخصي: تؤكد هذه الرؤية على اهمية المدرسة واختيار المنهج العلمي والدراسي المناسب لشخصية الطالب وقدراته وحاجاته. فيجب على المدرسة أن توفر الجو المناسب للدراسة لتنمية قدرات الطالب وتشجيعه على الدرس من خلال التشويق واستخدام التقنيات المناسبة بعيدا عن اجباره على التعلم.
  •  رؤية التكيف الاجتماعي – اعادة البناء الاجتماعي : تعتبر هذه الرؤية أن الاهداف ومحتوى المناهج التربوية يجب أن تكون متناسبة مع احتياجات المجتمع فيجب دراسة المجتمع ومشاكله وحاجاته وعلى ضوءها نستطيع بناء المنهج، اما للتكيف مع المجتمع او اعادة بناءه من جديد من خلال المنهج التعليمي.
    ويجب أن يتضمن المنهج المهارات اللازمة لبدء العيش في مجتمع والتكيف معه مثل التربية الأسرية وتعليم قيادة السيارة وبعض مجالات العمل والفن والمسرح...
  •  رؤية المنهج كعملية تقنية (تكنولوجية): حيث تعتبر هذه الرؤية أن المنهج يجب أن يكون خاليا من القيم والقضايا المعيارية فهو عبارة عن تقنية لتحقيق الاهداف التربوية التي تكون محددة من قبل، وعبر المنهج تحدد التقنيات اللازمة لتحقيق هذه الاهداف وكيفية تطبيقها.

ب‌-تقسيم  جیرو، پنا و پاینر(5)

قسم العلماء الثلاثة جميع نظريات المناهج الى ثلاث مدارس :
  1. المدرسة التقليدية : 
    وهي النظريات التي ابتدعها العلماء الأوائل لنظريات المنهج كرالف تايلر وفرانكلين بوبيت حيث تسيطر نظرياتهم على أكثر من 70% من المناهج الدراسية في العالم اليوم، حيث اعتمدوا مبدأ الهرمية العلمية والادارية ونقلوا تجربتهم الى المناهج الدراسية عبر تحديد الاهداف السلوكية . لا يميل التقليديون الى التغيير وتطوير نظريتهم بشكل كبير بل يعتبرون نظريتهم كافية في العملية التعليمية المدرسية دون النظر الى الجوانب التربوية الاخرى خارج المدرسة.
  2.  مدرسة المفاهيم التجريبية :
    يعتمد اصحاب مدرسة المفاهيم التجريبية على مفاهيم العلوم الاجتماعية من اجل دراسة الظواهر الاجتماعية وادخالها ضمن المناهج الدراسية ودراسة تأثير هذه المناهج على المجتمع. وهدفهم الأساسي تحديد سلوك الطالب وتوجيهه . من أشهر اعلام هذه المدرسة " شوآب" Schwab. 
  3. مدرسة اعادة تشكيل المفاهيم :
    عملت هذه المدرسة على اعادة تشكيل المفاهيم الاساسية في نظريات المنهج. حيث عملت على نقد المدرسة التقليدية خاصة  موضوع الاهداف السلوكية وحصر المنهج الدراسي بها دون الاخذ بعين الاعتبار الحاجات الاجتماعية والثقافية للطالب في المنهج الدراسي. فمن الجيد حصر الطلاب باهداف محددة ولكن أن لا تكون هذه الاهداف تشكل نسبة 100% من المنهج مما يعيق عملية التفكير والابداع لدى الطالب.
    تعتبر هذه المدرسة أنه لا يمكن بناء المنهج دون معرفة ثقافة المجتمع فالمنهج ليس عبارة عن نظرية من قبل مصصم المنهج بل ما يتعلمه الاطفال وما يستطيعون تطويره عبر تنمية قدراتهم الابداعية ليعيدو تشكيل المفاهيم ليتتناسب مع قدراتهم وتطور المجتمع . و من أهم رواد هذه المدرسة  آيزنر الذ يحاول اعادة تشكيل المفاهيم والمناهج والنظريات لربط المدارس والمناهج الدراسية  بالمجتمع ليكون برأيه المنهج نابضا بالحياة.

ج-تقسيم جان ميلر : يقسم ميلر نظريات المناهج الى ثلاثة مدارس : التقليدية ، البحث والتخطيط، التحول والتغيير. وبما أن تقسيمه نابع من نظرته الى تقسيمه نظريات المنهج الى سبع نظريات  فلا بد من افرادها في مقالة مستقلة لتبيينها ومن خلالها نظهر كيف عمل على تقسيمها وفق رؤيته لما فوق النظرية للمناهج . 


الهوامش :
  1. قد يطلق عليها أيضا :" النظريات الرابطة للمناهج" راجع:  عبد الهادي،محمد فتحي، الاتجاهات الحديثة فى المكتبات و المعلومات- العدد السادس و العشرون،2006   ص 223. المكتبة الاكادمية، القاهرة.
  2. قادري ، مصطفى، مجلة التطوير التكنولوجي 2001، عدد 2 ص 64،  تهران. ص 78. (تلخيص وتحرير الباحث)
  3. مهر محمدی، محمود ، المناهج الدراسية النظريات والاتجاهات ، 1999، ط 2 دار سمت  ص 126. (ترجمة وتلخيص الباحث)
  4. 4Eisner, Elliot, W. (1994). The Educational Imagination. 3rd ed, New York: McMillan Publishing Company. تلخيص للنظرية من الكتاب.
  5. اعتمد الباحث على باينر باعتبار كتابه هو الاشهر اليوم في علم المناهجPinar, W. F. (1995). Understanding the curriculum. Peter Lang Publishing

الشيخ محمد النمر 
  •  باحث في مركز الأبحاث والدراسات التربوية 
  • طالب في مرحلة الدكتوراه مناهج وبرامج تعليمية في جامعة "تربية مدرّس طهران"، وطالب دكتوراه في "جامعة المصطفى العالمية"- قم المقدسة.