المعلّم المربّي (2)
د. علي كريّم
ثانياً: في البعد الإجرائي العملي
في الجزء الأول من المقال، تقدّم الحديث عن البعد الذاتي الرؤيوي في صناعة نموذج [المعلّم المربّي]، فعرض لجملة من النقاط المتسلسلة والمترابطة في إطار تشكيل الوعي الذاتي بالموقعية التربوية للمعلِّم؛ ولكن، هل بالإمكان الاعتماد على جملة قناعات فكرية حاضرة بصورتها النظرية لدى المعلم دون استحضار الأداء العملي له؟.. وهل يكفي هذا المقدار من الصناعة لتظهير نموذج مربّي؟.. وكم يمكن أن يكون هذا الأداء هو الترجمة العملية الحقيقية لتلك القناعات، والتي يمكن تأخذ طريقها في تقديم صورة نموذج [المعلّم المربّي]؟..
إليكم جملة من الإرشادات العملية المتأتية من الرصيد التربوي الذي تركه لنا إرثنا التربوي والقيمي المستند إلى أصالة التربية وفق الرؤية الإسلامية، مضاف إليه التجارب العملية التي خاضها المعلّمون المربّون في عدد وافر من سنوات التعليم، وهي الآتية:
- الظهور الأول: دائماً ما يكون الظهور الأول للمعلّم له وقعه في نفوس التلاميذ، فبقدر ما يُحسن التقديم لذاته ولمادته بثقة ولباقة، ويستطيع الدخول إلى قلوب التلاميذ، بقدر ما يستطيع أن يجذبهم إليه.
- المظهر اللائق: إن حُسن المظهر الخارجي والاعتناء بالهندام، وحتى الأغراض الخاصة للمعلم طوال العام الدراسي، سيترك أثراً في نفس التلميذ، وسيقنع بالنموذج الذي سيراه أمامه وسيرافقه.
- حفظ الأسماء: وإن كانت - إلى حدٍ ما - صعبة على بعض المعلمين ممن يعلمون أعداداً كبيرة من الطلاب، أو يلتقون بهم لمرة واحدة في الأسبوع، إلا أن وقع مناداة التلميذ باسمه المباشر (وليس اسم العائلة) سيرسخ في ذهن الأخير دقة أداء المعلم في تخصيصه بالعلاقة معه.
- الإيجابية الدائمة: التحلي دوماً بالإيجابية، وإظهار روح التفاؤل، ورفع المعنويات باستمرار، على الرغم من كل التحديات، سينعكس تلقائياً على التلاميذ؛ وعلى قاعدة: إن التفاؤل مُعدٍ والتشاؤم مُعدٍ كما الأمراض!!
- روحية البِشر والتودّد: فالابتسامة مفتاح القلوب، وإشعار الطالب بالحب والحرص والرفق والقرب منه، وإظهار ذلك في معالم الوجه والتعامل أمر في غاية الأهمية، ولكن كل ذلك بقَدَر، حتى لا يظنها التلميذ ضعفاً أو استهزاءً.
- القوة في الهدوء والتهذيب: لا يمكن أن يكون الصوت العالي والنبرة الحادة في الحديث واستخدام بعض المفردات القاسية بحق التلميذ، هي دائماً المجدية، بل إنها تستنزف المعلِّم وتخلق مسافة بينه وبين تلاميذه، فمن السهل أن ينفعل المعلِّم ويخرج عن انضباطه، ولكن من الصعب - ولكنه ليس بالمستحيل - فرض الاحترام بالهدوء وعدم الانجرار وراء مشاكسات لا طائل منها.
- التأني في الحديث: من عناصر القوة التي يجب أن يحترفها المعلم هي التأني في الحديث لإيصال الفكرة بوضوح، وحسن إظهار الترابط فيما يعبّر عنه، لضمان انشداد التلميذ له.
- لغة الجسد والإشارات: العملية التعليمية لا تقتصر فقط على التلقين، ولكن كل حركة وإشارة وإيماءة يمكن أن يقوم بها المعلِّم، سيلاحظها التلميذ ويربط الفكرة بالإشارة والمعلومة بالحركة التي مثلها المعلّم أمامه.
- إدارة النقاش: في كثير من الأحيان يعمد التلاميذ إلى فتح نقاشات جانبية، قد يعندوا من خلالها إلى إضاعة الوقت، على المعلم الإلتفات إلى مضمون ما يطرحه التلاميذ ولا ضير بأن يشاركهم، ولكن على قاعدة أن يأخذ المبادرة ليكون مدير النقاش، فيُحسن الخروج منه وإغلاقه بحدود ما يراه مناسباً.
- مشاركة التلاميذ في اهتماماتهم الحياتية: في كثير من الأوقات سيعمد التلاميذ لإثارة موضوعات تعنيهم بامتياز (صفحات وسائل التواصل، نوع من الرياضة، الجنس الآخر، ... )، وهنا على المعلِّم أن يكون محيطاً بقدر بهذه الموضوعات، لإمكانية مشاركتهم وتمرير الضوابط والإلفاتات التي يريدها بأسلوب الواثق مما يقوله.
- العين العمياء: على المعلم أن يصرف نظره عن بعض الصغائر التي قد يرتكبها بعض التلاميذ، مع إشعارهم بأنه قد علم بما يقومون به، لكنه لا يريد الوقوف عنده، لأن الوقت أثمن من الوقوف عندها.
- الإشادة بالمشاركة حتى مع الإجابات الخاطئة: فالتلاميذ حضروا لأجل أن يتعلموا، ومن البديهي أن يُخطئوا، ومع ذلك لا بد ن الإشادة بالإقدام على الإجابة حتى ولو كانت خاطئة، وبالإمكان الإلفات إلى أنها إجابة صحيحة ولكن ليس لما يستعلم عنه المعلم.
- الفصل بين شخص التلميذ وبين سلوكه السلبي: ليس كل سلوك سلبي بالضرورة أن ينمّ عن شخصية سلبية، فقد يُخطئ التلميذ، وقد يتسرّع، وقد ينسى، لذا لا يمكن للمعلّم أن يحمل كل خطأ يرتكبه التلميذ على محمل سوء سلوكه أو اضطراب شخصيته، أو الحكم عليه بأنه سيء الطبع وما شابه.
- الفصل بين تقييم التلميذ باختلاف المواد: ليس بالضرورة أن يكون تقييم أي تلميذ في مادة ما (سلوكياً ودراسياً) هو نفسه في كافة المواد، وعلى المعلم أن يعلم بأن المتأخرين دراسياً في كافة موادهم قلّة قليلة، فضلاً عن كون هذا التأخر ليس بالضرورة أن يرافقه خلل سلوكي.
- التأخر الدراسي لا يعني بالضرورة الفشل: لا يمكن أن يُوضع الأخر الدراسي في خانة الفشل في الحياة، خاصة مع منظومات تعليمية تحتاج إلى الكثير من المراجعة وإعادة النظر والتجديد؛ وللتأكيد، فالكثير ممن أبدعوا في حياتهم لم يكونوا من المتفوقين دراسياً في كافة المواد التعليمية.
- إبداء الملاحظة عن قرب: إن شخصية التلميذ عزيزة عليه، والمحافظة على كبريائه مطلوب، لذا على المعلم أن يتحاشى الملحظة العلنية التي قد تجرح التلميذ أمام كل زملائه، والاستعاضة عنها بالحديث المباشر إليه.
- الالتزام بالنظام: المعلم قدوة، فبقدر التزامه بالنظام المدرسي، وحرصه على أداء مهامه وفق الأنظمة والقوانين المعتمدة، بقدر ما سيساعد على ضبط العملية التعليمية، وانعكاس ذلك على التلميذ، ولا ضير بأن يُلفت المعلم نظر تلاميذه بأنه هو أيضاً ملزم بالأنظمة والقوانين المدرسية، كما هم، ولكن بما يرتيط بموقعه كمعلِّم.
- الاستراحة المفيدة: بعض المواد تعدّ عبئاً على التلاميذ، وضغط المنهاج يُثقل عليهم، خاصة تلك التي يقدمها المعلّم بشكل شبه يومي، ولأكثر من حصة أحياناً، لذا فليغتنم المعلم بعض اللحظات التي يمكن أن يُعطي فيها استراحة ولو لدقيقتين أو ثلاثة، ولكنه سيكسب في المقابل استرجاع الحيوية لدى تلاميذه.
- التذكير دوماً بما سبق: بعض التلاميذ ذاكرتهم قصيرة، وقد لا يحسنون ربط المضامين التي يتعلمونها ببعضها البعض، لذا فلتكن عملية الربط والتذكير عملية تشاركية بين المعلم وتلاميذه، لتنشيط أجواء الحصة، ولاسترجاع أهم المعلومات المطلوبة.
- التجسير بين المواد: من المفيد للمعلم أن يكون مطلعاً - بالعموم - على ما يتعلمه التلاميذ في باقي المواد في الصف الدراسي، أو عموم الحلقة أو المرحلة، لبناء جسور ترابط من جهة وإعطاء كل مادة حقها من جهة ثانية، فضلاً عن كسبه للوقت في حال فُتح نقاش حول موضوع يتعلق بمادة أخرى.
- الدفع باتجاه الاستزادة الدائمة: في هامش النقاشات الجانبية التي تُثار بين الحين والآخر، على المعلم استثمار الفرص لدفع التلامذة نحو المزيد من الاطلاع والمعرفة والسؤال، مع تحديد أبواب الاستفادة العلمية والموثوقة للأخذ منها، وهذا كله بهدف رفع مستوى المعرفة لدى التلاميذ.
هذا بعض من خلاصات موروث تربوي قيمي وتجارب معلمين مربّين، فإن اتخذنا التعليم مهنة، حريٌّ بنا أن نزاوج بينها وبين مسؤولية التربية، فهلاّ استطعنا؟..
آخر تحديث : 2025-03-19
الكلمات المفتاحية للمقال:
تعليقات