الى الاعلى
  • العلم أصل كل خير، الجهل أصل كل شر " الإمام علي (ع)"

بين هندسة التفكير وهندسة المناهج



إعداد: عباس كنعان 

  في ظل الثورة المعلوماتية، ووفرة المعرفة، وسرعة تناقلها وتخزينها والوصول إليها نتيجة للتقنيات الحديثة والتقدم الحاصل في مجال الانترنت والذكاء الصناعي، والحاجة الملحة إلى تطوير العملية التعليمية والتربوية، ونظرًا لدخالة هذا الأمر بشكل حيوي في هذا التقدم، كان لا بد من وقفة تأمل لإعادة النظر فيما يُطرح على مستوى إدارة العملية التعليمية، وكذلك على مستوى هندسة أو تصميم المناهج التربوية والتعليمية، حيث تُشكل عملية التفكير المدخلية الرئيسة لذلك، وهو ما يرسم أهمية الاجابة على مجموعة من التساؤلات في هذا المجال: فما هو المقصود من هندسة التفكير؟ وهل يمكن لنا أن نبني هندسة للتفكير في ظل هندسة المناهج التعليمية؟ وما مدى الحاجة إلى ذلك؟ وما هو مستوى الارتباط بين الهندستين؟ وكيف يمكن أن يتم ذلك الارتباط على مستوى إعادة بناء المعرفي والعقلي للمتربي؟

 

  ومن المتعارف عليه أن الهندسة تُعرف بأنها العلم الرياضي الذي يبحث في الخطوط والأبعاد والسطوح والزوايا والكميات والمقادير المادية من حيث خواصها وقياسها أو تقويمها، وعلاقة بعضها ببعض، كذلك فهي فن الإفادة من المبادئ والأصول العلمية في بناء الأشياء وتنظيمها وتقويمها، وهو ما يعرف بالهندسة التطبيقية أو العملية، التي هي مرادفة لكلمة Engineering، والتي تشمل الهندسة الميكانيكية، وهندسة البرمجيات، وهندسة النظم وهندسة الحاسوب، وهندسة الشبكات، وهندسة الاتصالات، والهندسة الإلكترونية، والهندسة الطبية الحيوية، وهندسة الصواريخ، وهندسة الجينات الوراثية، وهندسة المعادن والمناجم، وهندسة الطاقة، والهندسة الزراعية، والهندسة أو الإدارية (أو الهندرة)، والهندسة المعمارية والمدنية، وهندسة المساحه، والهندسة البيئية، وهندسة جيوتكنيكية، والهندسة الصناعية، وهندسة النقل،...، وغيرها من الفروع العلمية التي شملتها ميادين الهندسة، وأطلقت على مجالاتها العلمية والعملية والتطبيقية، ونجد أن الكثير من هذه المجالات قد تقدم بفضل التقدم الهائل على مستوى التقني، وعالم الاتصالات وشبكات الانترنت..

 

   وقد عرِفت الكثير من الحضارات العلوم والمجالات الهندسية المتعددة، كالحضارة المصرية، والحضارات الشرقية القديمة، والهند وبلاد الرافدين، وكذلك لدى حضارة روما القديمة، حيث نجد إقليدوس الذي وضع نظام البديهيات، وجمع عمله في الهندسة في كتاب أسماه الأصول أو العناصر، وهو نموذج عن الهندسة الخاصة بالأفكار والبراهين المنطقية.  

 

 

ما المقصود بهندسة التفكير؟

  إن عملية النظم التي يمكن أن تقوم بها العلوم الهندسية لمجالاتها المتعددة، يكننا أن نعتبرها أكثر ضرورة للأفكار والقضايا العقلية، والبراهين المنطقية، وإذا كان أرسطو أول من صاغ القواعد المنطقية؛ فإنه بإمكاننا أن نعتبره المهندس الأول للأفكار، وقد استكمل مجموعة من الأعلام والفلاسفة هذا الأمر، وأبرزهم الشيخ محمد رضا المُظفر[1]، الذي ألف كتابًا في المنطق، وصاغ بموجبه المقدمات والبراهين والمقاييس العقلية والمنطقية بدقة، حيث رسم معالم التفكير وفقًا لهندسة عقلية محكمة، ألقت بظلالها على الكثير من العلوم: الفلسفة، والفقه، وأصول الفقه، وعلم الكلام الإسلامي، وغيرها، ولا تزال حاضرة وحاكمة في الكثير من المجالات العلمية.

وفي سياق تطوير نواتج العملية التعليمية، قام بعض الباحثين بتقديم حلولٍ جزئية على مستوى هندسة التفكير، "ومن المعلوم أن بلوم (Bloom)[2] سنة ١٩٦٩ صنّف الأهداف وفقًا لطبيعتها إلى إدراكية معرفية Cognitive، وإلى وجدانية Affective، وإلى سيكوحركية sychomotor، وصنّف أيضًا الأهداف الإدراكية إلى مستويات تتدرج من التذكر والفهم إلى التأليف والتقييم، وتبعه بعد ذلك العديد من التربويين ونشرت تصنيفات عدة منها تصنيفات دي لندشير[3] بوتزار وجيويت وكراسويل، وأخيراً وليس آخراً تصنيف دي كتيل، الذي حصرها بثلاثة مستويات متدرجة، هي مستوى الاكتساب، ومستوى التطبيق، ومستوى حل المسائل"[4]، ولا نغفل عن المحاولة الرائدة لإدوارد دي بونو (Edward De Bono)[5] في برنامج كورت للتفكير (CORT Thinking Programme)، وهو جدير بالقراءة والتحليل، إلا أن ذلك كله غير كافٍ لهندسة التفكير ونظمه، وهو ما نأكد على ضرورته في هذا السياق، إذ لا بد من هندسة للتفكير تُجيب على الأسئلة:

  • -ما هي العمليات الرئيسة وما هي العمليات الفرعية للتفكير؟

  • -ما هي العملية الرئيسة التي إذا قمنا بالتركيز عليها لدى المتربي/المتعلم تتحصل باقي عمليات التفكير بشكل تلقائي؟

  • -كيف يمكن نظم ورسم هذه العمليات بطريقة محدّدة ودقيقة؟

  • -هل يمكن اعتبار أن هناك عمليات تفكير أساسية، وعمليات تفكير ثانوية تلحظ قدرات كل مرحلة عمرية أو تعليمية؟ أو تتناسب معها؟

  • -هل لنا أن نحدد أساليب تربوية وتعليمية تتلاءم مع كل عملية تفكير يمكن أن نحددها بناءً لهندسة التفكير هذه؟

  • -كيف يمكن لنا أن نترجم هذه هندسة في العمليات التعليمية؟ أو كيف لنا أن ندمج بين هندسة التفكير والمعطيات المعرفية الأولية اللازمة لكل مرحلة تعليمية وعمرية؟

  • -كيف تنعكس هندسة التفكير على نمط التفكير والحياة لدى الفرد أو المجتمع؟

  • -كيف ستُؤثّر هندسة التفكير على العملية التعليمية والتربوية؟ وكيف سيتجلى ذلك على مستوى إعداد وتصميم وهندسة المناهج؟

  • -هل من تأثير لهندسة التفكير على مستوى صناعة المعرفة والعلم، وطريقة تداولها، وبيانها؟..إلخ.

وغيرها من الأسئلة التي تشكل مدخلاً هامًا في بيان هذه الهندسة وصياغة معالمها.

 

ما المقصود بهندسة المناهج؟

وقد تعدّدت مناحي تكوين وبناء المنهاج وهندستها، بحيث أصبح من اللازم تحديد مبررات الذهاب بهذا المنحى أو ذاك، بناءً على معطيات علمية وواقعية، علمًا أن هذا النظم الدقيق، والاحاطة الواسعة، والسبك والتماسك بين العناصر المتعددة، هو ما يمكن أن نطلق عليه مفهوم "هندسة المنهاج" خاصة وأن بناء المنهاج وتصميمه عملية دقيقة، تحتاج إلى تنظيم عالي الفعالية، ومدروس بدقة متناهية، فإنّ كل خطوة من خطوات هذه العملية الهندسية له انعكاسات كبيرة ومتعددة على المسار العملي للمنهج، بحيث يؤثر سلبًا أو إيجابًا في العملية التربوية، فكما أن دراسة هندسة البناء تستلزم تحديد دقيق لمجموعة من العناصر، من الأقيسة الدقيقة للبناء، وتحديد مدى ملاءمة التربة وصلاحيتها للبناء، إلى تحديد الزمن الذي سيستغرقه بناء كل جزء خلال عملية التطبيق والتنفيذ، إلى دراسة عدد الذين سيعملون في هذه العملية ووظيفة كل واحدٍ منهم، ومواصفاته، والمخاطر المحتملة، والمناخ والبيئة التي ستتم فيها هذه العملية، إلى تحديد الأجزاء المكونة الصغيرة لمواد البناء وقوتها ومتانة البناء، ومدى تكامله مع بقية العناصر، وقوة تحمله بعد البناء، وكيفية التصميم الداخلي والخارجي لكل طابقٍ في ذاك البناء، ومستلزماته البنائية والمعدات والوسائل والتقنيات التي تستلزمها كل هذه العملية، وغيرها...؛ فإنّ عملية تصميم وهندسة المنهاج تكون أكثر دقة وتعقيدًا طالما أنها تتصل بالبشر وليس بالمادة والحجر.

  

    والتخطيط لعملية بناء المنهاج التربوي تستلزم الكثير من التحضيرات القبلية، من تحديد المواد الأولية التي يرتكز عليها هذه المنهاج من مباني وأصول وأسس معرفية وعلمية، إلى تحديد الأهداف والغايات العامة، ومستوى توزيع هذه الأهداف على مراحل ومستويات متعددة، وبلحظات مختلفة باختلاف الساحات والميادين التي ستطالها العملية التربوية، واختلاف الجهات المستهدفة من هذه العملية، والقيميين عليها من مربين ومعلمين ومدربين كفوئين، إلى تحديد التناسق الداخلي للمعارف والاتجاهات والمهارات والسلوكات، وكيفية اشتقاقها من الأهداف والغايات العامة، إلى تحديد المنتج المفترض على مستوى الفرد المتربي، وتحديد الجدول الزمني الذي ستتم فيه تلك العملية وفق للأجزاء الزمنية الدقيقية، من حصص تعليمية وأنشطة تربوية صفية واللاصفية، إلى تحديد الأساليب والطرق التي تتلاءم مع الأهداف التربوية العليا والدنيا، وملاءمتها للمتربين والمواد المعرفية والعلمية، وصولًا إلى تحديد الوسائل والتقنيات التربوية التي سيتم استخدامها داخل العملية التربوية بما يساعد على تنفيذ هذه العملية بفاعلية متكاملة ومتناسقة، فضلاً عن تحديد المنهاج لمستوى معرفة وقدرات ومهارات المربين الموكلة إليهم مهمة صناعة المتربين من خلال تطبيقات المنهاج وتحقيق أهدافه، ويضاف إلى كل ما تقدّم تحديد مراحل وآليات التقييم الذي يحتاجها المنهاج، فضلًا عن تحديد كل ما يتعلّق بعملية تطوير المنهاج وتحسين فعاليته في تحقيق الأهداف والغايات العامة التي أُنشِئَ أو بُنيىَ لأجلها، وهو ما نحتاجه في مثل هذا النوع من "هندسة المناهج"[6].

 

وفي هذا السياق تُطرح أمامنا الأسئلة الآتية:

ما هي العلاقة بين الهندستين(هندسة التفكير، وهندسة المناهج)؟ ما هي الآثار الناتجة عن تعزيز وتمتين الارتباط بينهما؟ وكيف لنا أن نثبّت دعائم كلٍ منهما في العملية التربوية والتعليمية؟

إننا ومن خلال ما يمكن أن نشاهده أو نتلمسه على مستوى حاجتنا إلى تطوير الكثير من جوانب العملية التربوية والتعليمية المعاصرة، وما تنتجه على المستوى المعرفي، وفي ظل ما يواجهنا من تحديات تربوية ومعرفية وعملية، لا شك لدينا ولا ريب من القول ما يلي:

  • -أن هندسة التفكير ستؤثر حتمًا على الارتقاء بعملية التفكير لدينا، ونمط التفكير، وعرض الأفكار، وبيانها، وصياغتها.

  • -أن هندسة التفكير هي جانب علمي ومعرفي دقيق وخاص، يمكن صياغته من خلال عملية تفكير ناظمة ومحددة ودقيقة وعميقة في آنٍ واحد.

  • -إن هندسة التفكير هي مجال معرفي يهدف إلى تحسين التفكير، وآليات وطرق صناعته، والوصول إلى أفضل نواتج للمعرفة واكتسابها، وتداولها.

  • -هو مجال علمي يتيح تقييم البدائل والخيارات المعرفية والمتاحة، وتحديد أيها أفضل، وأكثر فائدة، وتأثيرًا.

  • -أن هندسة التفكير مجال علمي يتيح تصنيف الأفكار وفرزها ما بين أفكار ذات قيمة، وأفكار لا قيمة لها، أو أقل أهمية.

  • - أن هندسة التفكير ستتيح لنا حذف بعض من المواد التعليمية، وتقليص الجدول الزمني للعلمية التعليمية، لما لها من فائدة في تعزيز عوامل التركيز على العناصر الحيوية والرئيسة للتعليم[7].

كل ذلك ما لا بد وأن نبني عليه هذه الهندسة لكي تأتي بنتائج عملية وتنعكس على عملية هندسة المناهج وتطويرها.

 

كلمات مفتاحية: تصميم المناهج، هندسة المناهج، هندسة التفكير ، عملية التفكير ، الثورة المعلوماتية، وفرة المعرفة، نواتج للمعرفة، تطوير المناهج، تصميم المناهج، التربية، التعليم، العمليات التربوية التعليمية، التشتت والتركيز في المناهج التعليمية.

 

 


[1] - محمد رضا المظفر (1322 ــ 1383 هـ / 1904 ــ 1964 م)، عالم كبير، وفيلسوف فذ، ومصلح، وفقيه، وشاعر، من أعلام المدرسة العلمية النجفية، ومن أبرز المساهمين في الحركة العلمية والفكرية والأدبية فيها، ولد في النجف الأشرف، من أسرة علمية، حيث ألف كتابًا في علم المنطق، في ثلاثة أجزاء ــ طبع عدة طبعات في النجف وبيروت وإيران وترجم إلى الفارسية وقد عم تدريسه في الحوزات العلمية العربية وبعض الجامعات قامت بتدريسه في أقسام الهندسة والفلسفة.

[2] - صياغة الأهداف التربوية والتعليمية في جميع المواد الدراسة، كتاب الخمسة آلاف هدف، سعادة، جودت أحمد، دار الشروق، الأردن، ط1، 2001.

[3]- De landsheere (Gilbert) -De landsheere (Vivianne): Définir les objectifs pédagogiques, P.U.F 7 iem .ed  Paris. 1992

[4] -كنعان، عباس(الكاتب)، المنهج التربوي الهندسة والبناء، دار الولاء، بيروت، ط1، 2024م، ص.ص 239-240.

WWW.DeBono.com -[5]

[6] - راجع: كنعان، عباس(الكاتب)، المنهج التربوي الهندسة والبناء، م.س، ص.ص 100-101.

[7] -راجع مقالة للكاتب: كنعان، عباس، " المناهج التربوية والتعليمية بين التشتت والتركيز"، موقع مركز الأبحاث والدراسات التربوية رابط المقالة

أضيف بتاريخ :2024/07/06 - آخر تحديث : 2024/07/06 - عدد قراءات المقال : 189