الى الاعلى
  • جميعنا مدينون لفضل المعلم ومنّته هذا هو لبّ كلامنا وأصل القضية "الامام الخامنئي"

التربية والتعليم عند الشيعة (التطوّر التاريخي)


 

 

فلسفة التربية والتعليم عند أتباع المذهب الشيعي


استندت التربية عند الشيعة إلى فلسفة التربية الإسلامية القائمة على أصول وفروع الدين الإسلامي الأصيل، والتي هي عبارة عن مجموعة من المفاهيم المترابطة في إطار فكري واحد ومستندة بمبادئها وقيمها إلى القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة وأحاديث وتعاليم أهل البيت (ع)، وقد غذّى حبّهم للتربية والتعلّم عدّة أمور منها:

  • تشجيع الإسلام للمسلمين لطلب العلم من خلال عدّة آيات وأحاديث شريفة، بسم الله الرحمن الرحيم "قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون" (القرآن الكريم، صفحة 459).

  • خوفهم من الذوبان في المذاهب الأخرى نتيجةً لاضطهادهم لفترات طويلة في لبنان، فاعتبروا التربية والتعلّم طريقةً للحفاظ على هويّتهم ومعتقدهم.

  • التماثل بأئمة أهل البيت (ع) والعمل بأحاديثهم، فعن الإمام علي (ع) "أيها الناس إعلموا أن كمال الدين طلب العلم والعمل به، ألا وإن طلب العلم أوجب عليكم من طلب المال، إن المال مقسوم مضمون لكم، قد قسمه عادل بينكم، والعلم مخزون عند أهله، وقد أمرتم بطلبه من أهله" (مركز الإمام الخميني الثقافي، 2008، صفحة 30).

 

 

أماكن التّعليم عند الشيعة


أما بالنسبة لأماكن التعليم تاريخيًا عند الشيعة فقد تنوّعت بناءً لعدّة أسباب، فكان المسجد إحداها، حيث يُعتبر المسجد عندهم هو بيت العلم وهو يتخطّى الوظيفة التقليدية بأنّه مكان للتعبد والصلاة لله تعالى فقط، فالمسلمون من زمن رسول الله (ص) كانوا يلتفون حوله في المسجد النبوي الذي بناه في يثرب ليعلّمهم ويزكّيهم، وهكذا أئمّة أهل البيت (ع) ساروا على نهج نبي البشرية محمد (ص)، فالإمام علي بن الحسين زين العابدين (ع) استمرّ باستخدام المسجد النبوي كمنارة تعليمية حيث كان "يعظ الناس ويهديهم في الدنيا ويرغّبهم في أعمال الآخرة كل جمعة في مسجد رسول الله (ص)" (الكليني، 1377 هـ، صفحة 104). 


والمشاهد المقدّسة عُدَّت أيضًا بالنسبة لهم أماكن لطلب العلم، حيث اعتبروا بأنّ "الإقامة والتدريس في تلك المشاهد من المستحبات الدينية" (الكليني، 1377 هـ، صفحة 579)، فعقدوا حلقات التعلّم فيها وقاموا بإنشاء المدراس الدينية والحوزات العلمية العريقة داخلها، وقد تخطّت الدراسة في هذه المراقد الشريفة العلوم الدينية فقط، لتصل لعلوم اللّغة والفلسفة والرياضيات وغيرها من باقي العلوم، على أنّ السمة البارزة كانت للعلوم الدينية وذلك لسيادتها وفضلها على سائر العلوم (الزبيدي، 1994، صفحة 72). 


ومن أماكن التعلّم أيضًا منازل العلماء أسوةً برسول الله (ص) والأئمة الأطهار (ع)، فهذا الإمام زين العابدين (ع) على سبيل المثال لا الحصر قد فتح منزله مكانًا يجتمع فيه طلاب العلم الوافدين من أماكن مختلفة، حيث كانت له فلسفة تربوية قيّمة ترجمت في كتابيه رسالة الحقوق والصحيفة السجادية كما ورد معنا سابقًا، فقد "كان علي بن الحسين (ع) مشغولاً بنشر العلم وبث الثقافة، وإنارة الأفكار، وتهذيب الأخلاق، فكثر تلاميذه والاخذون عنه في أنواع العلم" (الصدر، 1981، صفحة 66). 


وأخيرًا الكتاتيب حيث كان المعلّم فيها يختزل بشخصيّته الهيئتين الإدارية والتعليمية في آنٍ معًا، وقد أسهمت الكتاتيب عند الشيعة بنشر المعرفة في عدد من البلدان التي يتواجدون فيهاK وذلك قبل وجود المدرسة بمعناها الحديث، وخاصةً الدينية منها، حيث ارتكزت في السنوات الأولى لمن هم موجودون فيها لتعليمهم القراءة والكتابة وحفظ القرآن الكريم وأوليات الحساب، ثم في مراحل لاحقة لمن أصبحوا في عمر الشباب كان يتم تعليمهم علوم اللغة والآداب وعلوم الحديث وبعض العلوم الأخرى (طلس، 1957، صفحة 70). 

 

 

مسار المناهج التعليمية عند الشيعة


أما بالنسبة لتفصيل مضمون المنهج التعليمي عند الشيعة الإمامية بحسب المراحل العمرية، فقد ركّز على تعليم الأولاد للقراءة والكتابة بشكل عام، ثم لاحقًا قراءة وكتابة القرآن الكريم، إضافة لبعض الأحكام الشرعية حيث تستمر هذه الفترة لمدة سبع سنوات، وبعدها يرتفع المستوى من عمر 14 عامًا وما فوق ليصل إلى الفقه والأحكام والعقائد والمنطق والإلهيات، والجدول التالي يظهر كل مرحلة عمرية مع المنهاج الخاص بها عند الشيعة الإمامية، وذلك حسب المسار التاريخي ما بعد الأئمة (ع) حتى بدايات القرن العشرين (غروي، 2004، الصفحات 70-71):

 

يظهر من خلال الجدول بأن معظم المواد هي مواد دينية باستثناء الكتابة والقراءة، لأنّ هدف التعليم هو الفوز أكثر برضى الله تعالى، ومن المُلاحظ أيضا بأن تقسيم المواد يتدرّج من الأسهل للأصعب بناء للتطوّر العمري للتلميذ، ومن الواضح بأنّ القرآن الكريم هو المصدر الأساسي للتعلّم وهو المنهج المشترك في معظم سنوات الدراسة.

 

 

الخلاصة


إذًا ومن خلال كل ما سبق يظهر أنّ ما باتت اليوم تنادي به مفاهيم التربية الحديثة في القرن العشرين اعتمده أئمة أهل البيت (ع) والمسلمون الشيعة قبل عقودٍ خلت، سواء من ناحية تنوّع المناهج، أو من حيث مراعاة الفروقات الفردية وذلك من خلال حلقات التعلّم التي كانت ذات اهتمام واحد، أو مستوى علمي واحد، أو مراعاة المراحل العمرية المختلفة، وهو ما تنادي به الإستراتيجيات التربوية الحديثة كمثال تطبيقي [التعليم التمايزي]. أو من خلال إيلاء العناية والاهتمام بالتربية الأخلاقية منذ الصغر، فكما يقول الإمام علي (ع) "من لم يتعلم في الصغر لم يتقدم في الكبر" (التميمي، 1931، صفحة 697)، وكذلك اعتماد المنهج التحفيزي للمواظبة على طلب العلم "اطلبوا العلم ولو بالصين" (المجلسي، بحار الأنوار، 1983، صفحة 32)، "اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد" (الريشهري، 1425 هـ، صفحة 220)، فكل هذه الأحاديث وما سبق من أفكار تتماشي مع النظريات التربوية الحديثة التي تقول بنظرية التعلّم مدى الحياة للفرد. فيظهر بأن التأصيل الإسلامي سابقٍ لعقودٍ لما يُقدّم اليوم من نظريات تربوية حديثة.

 

 

 


المقال ارتكز على أطروحة دكتوراة في التاريخ في الجامعة اللبنانية للطالبة فاطمة حمود 2019-2020 تحت عنوان:
التربية والتعليم في مدارس المصطفى دراسة في المنطلقات والتحولات الاجتماعية (1984-2016).

 


المراجع:
القرآن الكريم. سورة الزمر الآية رقم 9.
عبد الواحد التميمي. (1931). غرر الحكم ودرر التعلم (الإصدار 1). صيدا: مطبعة العرفان.
محب الدين أبي فيض الزبيدي. (1994). تاج العروس من جواهر القاموس (المجلد 19). بيروت: دار الفكر.
محمد الريشهري. (1425 هـ). موسوعة العقائد الإسلامية (الإصدار 1، المجلد 2). قم: مؤسسة دار الحديث العلمية الثقافية مركز الطباعة والنشر.
محمد باقر الصدر. (1981). دائرة المعارف الإسلامية الشيعية (الإصدار 1، المجلد 2). بيروت: دار التعارف للمطبوعات.
محمد باقر المجلسي. (1983). بحار الأنوار (الإصدار 2، المجلد 45). بيروت: مؤسسة الوفاء.
محمد باقر المجلسي. (1983). بحار الأنوار (الإصدار 2، المجلد 2). بيروت: مؤسسة الوفاء.
محمد بن يعقوب الكليني. (1377 هـ). الكافي (الإصدار 3، المجلد 4). طهران: دار الكتب الإسلامية.
محمد طلس. (1957). التربية والتعليم في الإسلام (الإصدار 1). بيروت: دار العلم الملايين.
مركز الإمام الخميني الثقافي. (2008). التربية والمجتمع في فكر الإمام الخميني (الإصدار 3). بيروت: جمعية المعارف الإسلامية الثقافية;.
مهدي غروي. (2004). واقع التعليم الديني لدى المسلمين الشيعة في لبنان. بيروت: جامعة القديس يوسف، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، معهد الاداب الشرقية.

أضيف بتاريخ :2022/12/31 - آخر تحديث : 2022/12/31 - عدد قراءات المقال : 132