الى الاعلى
  • جميعنا مدينون لفضل المعلم ومنّته هذا هو لبّ كلامنا وأصل القضية "الامام الخامنئي"

دور التربية في صناعة وحفظ الهوية


دور التربية في صناعة وحفظ الهوية

 


إعداد: عباس كنعان

    يُنظر إلى الهوية كمفهوم له دلالته المختلفة من جوانب ومناظير متعددة، حيث يقصد بها مجموعة من السمات والمعايير والمحددات التي يعرف الشيء  أو الفرد بها، أو بما هو هو، ويتميّز به عن غيره، ويتصف ويُعرّف ويتسم به، وقد طُرح هذا الأمر في الفلسفة والإلهيات ، ومقدماتها ، كذلك طرُح في مجال علم الاجتماع، وعلم النفس، والأنثروبولوجيا، وغيرها من الميادين المعرفية والعلمية، وكما هو على المستوى الفردي، كذلك الأمر يمكن أن تُحدد مجموعة من السمات  والصفات التي تتسم بها جماعة أو شعب، أو فئة ما، أو مجتمع من المجتمعات، أو قومية وشريحة معينة، حيث أن هذه السمات والصفات والمميزات، هي التي تُشكل فارقًا مغايرًا لها عن غيرها من الفئات والشعوب والمجتمعات، أو الجماعات.


 وكما ويبحث الأمر على مستوى تحديد الهوية الفردية والمجتمعية، كذلك يبحث على مستوى مكوّنات تلك الهوية، وعناصرها، وأشكالها، ومصدر تشكُّلها، وأسباب ذلك، والعوامل المؤثرة، ومدى التقاطع والتقارب والتنافر أو الانسجام، بين الهويات المختلفة مع غيرها من الهويات.


لقد تشكلت الجماعات البشرية عبر التاريخ وفق نسق ونمط من الحياة الخاصة، ومن خلال مجموعة من السمات العامة التي ارتكزت على مجموعة من المكونات: المعتقد، القيم، واللغة، والعادات، والتقاليد والآداب التي شملت مختلف جوانب الحياة، من طريقة التفاعل والتزاوج والتواصل بين أبناء نفس تلك الجماعات، ونمط العيش والحياة، وطريق اللباس، وطُرق المأكل والمشرب، وكيفية التعبير الرمزي عن المواقف والأحاسيس والمشاعر، حيث انعكس وتأثر أيضًا بالموروث الديني والثقافي والفكري والاجتماعي والعرفي، فضلاً استحضاره وتأثره بالبعد التاريخي ، والعوامل الوراثية، والبيئية، والطبيعية لهذه الجماعة أو تلك، مما جعلنا نحدد -بما لا شك فيه-جماعة تعيش في البادية العربية، أو وسط الغابات الإفريقية، أو ضمن الشعوب والقبائل التي تعيش في الهند-مثلاً- بما تحمل من سلوكات ومحددات وسمات وصفات تمتاز عن غيرها من الجماعات.


   ولا شك بأنَّ هذه الهوية -وبما تحمل من قوة التأثير، ومدى حضوره في الذاكرة الشعبية أو الوطنية العامة وبما يمتلك من قوة حضور على أكثر من صعيد-تفرض نوعًا من الانعكاس على سلوك الناس، ومنظومتهم القيمية، التي تحدد الكثير من خياراتهم ومواقفهم الحياتية، وتتخذ سمات معيارية حاكمة أيضًا على الكثير من قراراتهم واتجاهاتهم ومشاعرهم،...إلخ.

 


    لقد حدد البعض- كما فعل ميكشيللي -عناصر الهوية عديدة، أي إذا أردنا أن نحدد هوية مجتمع من المجتمعات، أو جماعة من الجماعات البشرية، لا بد من مراجعة المحددات التالية:

  1. العناصر المادية والفيزيائية: بما تحتوي على الحيازات، من اللباس، السكن، والأموال، والقدرات: القوة الاقتصادية، والمالية، والعقلية،...، والتنظيمات المادية: التنظيم الإقليمي، نظام السكن، نظام الاتصالات الإنسانية، الانتماءات الفيزيائية: 

  2. العناصر التاريخية: الأصول التاريخية، الأحداث التاريخية الهامة، الآثار التاريخية: كالعقائد، والتقاليد،..

  3. العناصر الثقافية النفسية: كالمنطلقات الثقافية، الأديان والرموز، أشكال التعبير(الأدب والفن)، النظرة إلى العالم، السمات النفسية الخاصة،...إلخ.

  4. عناصر نفسية اجتماعية: الأسس الاجتماعية، سلطة، القيم الاجتماعية، القدرات الخاصة بالمستقبل، نمط السلوك،...إلخ. 

    وكيف كان، فإنّ مبحث الهوية ومحدداتها من أهم القضايا التي تعطي للجماعة أصالتها، واستقلالها، وحيزها التاريخي الخاص، وقدرتها على الصمود أمام الآخرين، واستقلال قرارها، وقيمها، واتجاهاتها الفكرية والثقافية، والعقدية، وعاداتها وتقاليدها، وتجعلها متحررة من قيود الآخرين.

 

 

التأصيل الإسلامي وصناعة الهوية


  إنَّ منهجية التأصيل الإسلامي التي أحكم بنياها في العصر الحديث الإمام الخميني المقدس منذ إنطلاقة ثورته المباركة، تعتمد بشكل رئيس على صناعة الهوية وفق المباني والأصول الإسلامية المرتكزة على النظام الإسلامي المعياري، بما يحتويه هذا النظام أو المنظومة الفكرية والعقائدية المتكاملة من أحكام القرآن الكريم ومفرداته وتعاليمه، فضلاً عمَّا تحتويه السنة المباركة، من أحكام، وآداب وتعاليم وسنن، ومنطلقات بنائية ثابتة وعميق وشاملة ومتعددة الأبعاد والساحات، وما قدمه نتاج العقل الاجتهادي من نتائج واستنتاج معيارية دقيقة، ووفق منهجية واضحة المرتكز، وما صاغه من اجتهادات تلحظ الظروف الموضوعية، آخذةً بعين الاعتبار البعد الزماني والمكاني، وتبدلاتها الظرفية.


   هذه الصناعة، لم تكن منفكّة عن الواقع المتشابك، بكل ما يحمله من سطوة القوة والهيمنة للقوى المستكبرة، التي تسعى لفرض قيمها، ومنظمتها اللأخلاقية، كمدخلٍ للتحكم والسيطرة والاستبداد الاقتصادي، ومنظومة الفساد المنتشرة في اسقاع الأرض ووسائل الدعاية، والإعلام، والميديا، وما يقدم عبر نزعة العولمة التي تحمل في طياتها الكثير من ملابسات الهدم الأخلاقي والقيمي للمجتمعات، وإحلال مجموعة جديدة من القيم اللبرالية، والنيولبرالية، ولهذا نجد أن سماحة الإمام الخامنئي(حفظه الله)، ينادي بهذا الدور الأساس المرتبط بصناعة وحماية الهوية الإسلامية الأصيلة والخاصة، إذ يقول: "إن أولّ ما يجب علينا أخذه لتلاميذنا بنظر الاعتبار، هو إيجاد هوية مستقلة وطنية ودينية في نفوسهم. هذا هو الأمر الأول؛ هوية مستقلة وذات عزة. فلنربِّ شبابنا على أن يتّبعوا سياسة مستقلة، واقتصاد مستقل، وثقافة مستقلة، وأن لا تنمو لديهم روحية التبعية والركون إلى الآخرين والاعتماد عليهم والرجوع لهم. أقولها لكم بأننا نعاني من ضعفٍ في هذا الجانب! إنكم ترون أنه حينما تدخل كلمة أجنبية إلى البلد، يستخدمها على الفور، الكبير والصغير والمعمم (عالم الدين) وغير المعمم وأمثالهم.

لماذا أيها السيد العزيز؟ لماذا كل هذا الشوق والتعطش لدينا لاستعمال التعابير والاصطلاحات الأجنبية؟ لماذا؟ هذه هي الحالة التي أورثونا إياها، وهي الحالة نفسها التي كانت سائدة في عهد الطاغوت وفي فترة شبابنا. إنني أتذكر حينما كنتُ شاباً، وكأنما كنّا نتسابق على استخدام هذه الاصطلاحات الأجنبية. وكل من كان يستعملها أكثر، يدل على أنه كان يتمتع بمزيد من الوعي والتنوير والحداثة وما شابه! هذا خطأ. إنَّ الهوية المستقلة، هو أولّ ما يجب علينا أن نربيه وننمّيه في نفوس شبابنا وفتياننا وفتياتنا، عند ذاك سيتجلّى معنى الاقتصاد المقاوم. ولا يكون الأمر أنه، ولتنفيذ الاقتصاد المقاوم، يعمد كبار المسؤولين الحكوميين إلى عقد مئة جلسة متتالية، ويصدّرون التوجيهات تلو التوجيهات، والقرارات تلو القرارات، وأخيراً لا يتم تطبيقه بشكل كامل! حسناً، إنهم يبذلون حالياً جهودهم لتحقيق الاقتصاد المقاوم. لكن عندما نفتقد إلى روح الاستقلال والاستقامة والصمود أمام الآخرين، سيكون العمل صعباً" .

 


التربية والهوية المستقلة


إنّ صناعة الهوية وحفظها، يشكل مدخلاً أساس للتفكير الاستراتيجي في المجتمعات التي تدأب على حفظ كيانها، وإذا ترقينا بهذا الأمر، يكون مسعى كل فئة أو تيار أو حركة سياسية أو ثقافية أو دينية،...إلخ، تهدف إلى إجراء تحوّل حضاري، وثقافي لأي مجتمع، أو منطقة، حيث تشكل التربية بما تضمن من قدرة في إحداث هذا التحول البعيد المدى، وخاصة لدى الشرائح المجتمعية الغضة، والقادرة على التقبل والترقي والتسامي والتكامل السريع.


  وتشكل التربية بكل ما تحمله من أطر نظرية، ومناهج، وبرامج، وآليات، ومقارابات، وأساليب، وأنشطة، وأدوات،...، مدخلاً حيويًا وأساسيًا لا يمكن استبعاده، في مسار صناعة هذه الهوية أو الدفاع عنها، أو حمايته، وبلورتها لدى المتربين، والمستهدفين بالعملية التربوية التي تقوم بها، وهو ما يحتم عليها أيضًا، وضع قنوات تخطيط وعمل متعدد الأبعاد، والمستويات، وأنظمة وآليات لمقاربة هذا الأمر وحفظه، وبلورته، بشكل علمي دائمٍ، وشامل، وعلى كافة المستويات، بدءًا من الفلسفة التربوية، مرورًا بمناهجها، وبرامجها، وأنشطتها، وأدواتها، وآليات عملها، وضوابطه، ووصولاً إلى سلوك المربين، وأنشطتها، والبيئة التربوية وأنظمتها.

 

لتنزيل المقالة بصيغة PDF إضغط هنا

 


الشيخ الدكتور عباس كنعان : دكتوراه في المناهج التربوية وباحث في شؤون الأسرة والمجتمع، مدير تطوير المناهج في مركز الأبحاث والدراسات التربوية.

 

أضيف بتاريخ :2022/07/19 - آخر تحديث : 2022/07/19 - عدد قراءات المقال : 257

الكلمات المفتاحية :