الى الاعلى
  • من كان له أنثى، فلم يبدها ولم يُهِنْها، ولم يُؤْثِّر ولده عليها أدخله الله الجنّة"النبي الأكرم(ص)"

خصائص الطفولة المتأخرة وأثرها في التربية الحسينية


خصائص الطفولة المتأخرة وأثرها في التربية الحسينية


د. الشيخ باقر كجك

  تشكل عاشوراء، حدثاً مؤسساً في الثقافة الإسلامية، وذلك لخصوصية الإمام الحسين عليه السلام في الوجدان والتاريخ الإسلامي. وتثير هذه الحادثة العظيمة، اهتمام التربويين في البحث عن كيفية تقديمها للأطفال والنشء، بطريقة تراعى فيها المراحل العمرية وخصوصياتها، وتنوع أنماط النمو فيها واحتياجاتها. إذ حينما يصل الدور إلى تربية الأطفال، وخصوصاً الأطفال في مرحلة الطفولة المتأخرة (9-12)، يصبح من المهم تقديم هذه الحادثة المؤثرة جدا – كونها أمراً بنيويا في الثقافة الإسلامية عموماً وعند أتباع مدرسة أهل البيت خصوصاً- بشكل يسهم في بنائهم التربوي بأسلوب متوازن ودقيق.

 

ونتحدث هنا بشكل محدد عن تقديم عاشوراء وكربلاء إلى أطفال هذه المرحلة العمرية، على أنها ذات مسار عقلاني مرتبط بخلفيات تاريخية وضرورات دينية وضرورات غائية.


تتميز مرحلة الطفولة المتأخرة، بمجموعة من  بالخصائص  منها:

  1. النموّ العقليّ "حيث تنمو لدى الطفل الرغبة في اكتشاف الأسرار المُتعلِّقة ببيئته التي تحيط به، ويصبح أكثر إدراكاً للعالم الخارجيّ، وبشكل كلّي، كما أنّه يصبح مهتمّاً بتفسير العلاقات في سنّ العاشرة، والتي تتميّز بكونها الأرقى فكريّاً ممّا تتميّز به مرحلتا الثامنة والتاسعة من الوصف، بالإضافة إلى أنّ تفكيره يصبح وظيفيّاً، وعمليّاً، بحيث يؤدّي إلى التفكير الصرف في النهاية، ومن الجدير بالذكر أنّ الطفل تنمو لديه المقدرة على التجريد، فيقلّ التفكير المرتبط بالأشياء الحسّية لديه بشكل واضح." (1)
     

  2. النموّ الانفعاليّ والاجتماعيّ: "وهي مرحلة الاستقرار والثبات الانفعاليّ، حيث تظهر في هذه المرحلة مقدرة الطفل على ضبط انفعالاته، وضبط النفس، فيتعلّم كيفيّة التخلّي عن الحاجات التي قد تؤدّي إلى غضب والديه، أو غيرهم، وتنمو لديه الاتّجاهات الوجدانيّة الإيحائيّة، فيهتمّ بالتقييم الأخلاقيّ، والضمير، وغيرها من الأمور"
     

  3. وأما في جانب النموّ الدينيّ والأخلاقيّ: "تنمو لدى الطفل في هذه المرحلة المفاهيم الدينيّة، ومعرفة أنّ الله هو خالق الكون كلّه، كما يدرك أنّ الجنّة ثواب لمن يصنع الخير، والنار عقاب لمن يسلك طريق الشرّ"

 

  وبالتالي فإن تقديم السيرة الحسينية، وتجلياتها التربوية والنفسية التأسيسية في بنية الطفل المعرفية والعاطفية، ستترافق مع مجموعة من الأسئلة الدقيقة التي يسألها الطفل، ومجموعة أخرى من المكتسبات المعنوية والعاطفية التي تترسخ في بنائه لنفسه والتي ستكون قاعدة للعديد من المواقف والاتجاهات السلوكية له في مراحله العمرية التالية.


  وبناء عليه، سنجد  أطفال هذه المرحلة، يسألون أسئلة من قبيل: "ألم يكن هناك من طريقة أخرى لتجنب هذه النتيجة؟" و"لماذا لم ينصر المسلمون الإمام الحسين (ع) في كل ما حصل؟" و أسئلة من قبيل: "ألم يكن بإمكان الحسين عليه السلام القيام بمفاوضات وعدم الدخول في معركة؟" "لماذا نبكي على الحسين إذا هو اختار الموت؟" و"هل من الضروري أن أبكي، ألا يمكن فقط أن أستمع للعزاء؟" و "هل كان أهل البيت يلبسون اللون الأسود أيضا عزاء على الحسين عليه السلام؟" "هل كانت شهادة الحسين أمراً جيداً ؟" 


  تعبر هذه الأسئلة ومثيلاتها، عن نضج ونمو عقلي أكثر من المرحلة السابقة، وسيجد الأهل أيضاً بأن هذه النوعية من الأسئلة ستصبح مع الوقت أكثر بروزاً من قبل، بل وأكثر تعقيداً. فيبحث الطفل في هذه المرحلة عن الأسباب التجريدية وراء الأشياء التي يسمعها والمواقف التي يواجهها. لا يكتفي الطفل، بتقبّل المسموعات، لأنه يحاول أن يبني ذاته عبر اتخاذ موقف خاص به من القضايا الحياتية الأساسية، وخصوصاً الأمور النظرية والدينية والأخلاقية. 


  تشكل المواقف الوجدانية والعاطفية التي تزخر بها المرويات الكربلائية، وخصوصا التفاصيل الوجدانية الدقيقة و"القاسية" التي حصلت في اليوم العاشر من المحرم، لوحة مثيرة لدهشة وتساؤلات طفل مرحلة الطفولة المتأخرة. وتشكل جملٌ مفتاحية تنقل على المنابر من قبيل : "شاء الله أن يراني شهيداً، ويراكنّ سبايا" و"ما رأيت أصحاباً أوفى من أصحابي" و"ألا من ناصر ينصرني"..الخ مثيراً منطقيا وعقلانيا له، فيسأل عن علم المعصوم وتعلق كل ما يحصل في كربلاء بعلمه المسبق بها، ويتساءل عن سبب كون أصحاب الحسين هم الأوفى من غيرهم، ويتساءل عن الحتمية وال"جبرية" التي أدت إلى ملحمة كربلاء. إن الخلاصات النظرية الخاصة به،  ستتطور من بذور اعتقادية بسيطة وأولية إلى مباني اعتقادية تسير عليها حياته الاعتقادية في المستقبل.


  وفي الجانب الوجداني والأخلاقي، يحاول طفل الطفولة المتأخرة، أن يتخذ موقفاً قيمياً خاصًّا به في ما يخصُّ أحداث كربلاء. فيختار شخصيَّة من شخصيات كربلاء، ويقارنها بنفسه، ويحاول أن يقيّم المواقف التي اتخذتها والسلوكيات التي قامت بها، كي يجرّد من كل ذلك ميزات شخصية تساعده في مماثلة القيم والسلوكيات والمواقف للشخصية التي أعجب بها.. وغير ذلك من الأمور.


  وهنا أيضا نقطة مهمة جداً، وتتعلق بالشخصيات الحساسة في هذه المرحلة العمرية، والتي قد تتأثر بشكل نفسي وعاطفي كبير بالجانب المأساوي الذي حصل في كربلاء، ولأنها تعيش في مرحلة الطفولة المتأخرة، ولا بد من الاستفادة من القدرة العقلانية المتنامية في شخصيتها، في تليين هذه المشاهد القاسية والنهاية الأليمة لمأساة كربلاء. وذلك من خلال إظهار هذه الأحداث بأكثر قدر ممكن العقلانية وشرح الأسباب وإظهار أن هذا الأسلوب في الانتقام من الحسين وآله كان له مثيل عند العرب والأمم الأخرى، إلا أنه في حق الحسين (ع) ومقامه العظيم يعد أمراً نادراً لم تقم به أمة من قبل.. إلخ.

 

لذلك، ومن أجل التربية الحسينية المطلوبة في هذه الفئة العمرية، لا بد للمربي أن :

  • يتفهم نوعية الأسئلة وكيفيتها، وكذلك كميتها، التي ستصدر من أطفال هذه الفئة العمرية، ولا يتذمر من ذلك، أو تصدر منه تعابير مثل "أنت لست طفلا صغيرا لتكثر من الأسئلة"! بل من طبيعة هذه المرحلة، الإكثار من الأسئلة، خصوصا الاسئلة التي تزيد فيه نسبة التجريد والعقلنة والبحث عن الأسباب، والسؤال عن المواقف والسلوكيات، ومحاولة البرهنة عن المواقف العاطفية والوجدانية. على سبيل المثال: "إذا كان دعاء الإمام الحسين (ع) مستجاباً، لماذا لم يدع على أعدائه؟" "النبي محمد (ص) ما كان يعلم ما سيحصل مع الحسين ويمنع حصول ذلك؟" "هل الله يحب أن يموت الإنسان المؤمن أو يٌقتل؟" و"ماذا يعني ان أكون حسينيا؟ أن أستشهد؟؟" الخ.
     

  • يحاول الاجابة على الأسئلة بأسلوب عقلاني، بالقدر المطلوب، ولا يقوم باستخدام براهين بسيطة وساذجة، وكذلك لا يقوم بتعقيد البراهين لأنها ستقلق الطفل أكثر بسبب طبيعة اشتغال ذهنه على القضايا التجريدية. فالتبسيط الذكي، وطرح الاحتمالات العقلانية، وإزالة المناطق الرمادية من الأجوبة، ستجعل الطفل مرتاحاً أكثر في الاستماع للسيرة الحسينية، والتفاعل معها، وجدانيا وعاطفيا، طالما أنها مرت في "فلاتره" العقلانية.

 

  فعلى سبيل المثال، وللإجابة على سؤال من قبيل: "لماذا لم تحصل معجزة وتنقذ الحسين؟" لا يكفي أن نجيب الطفل بأنه "المعجزة للأنبياء فقط", فعقل الطفل هنا، يبحث عما وراء المعجزة كمفهوم عقائدي نفهمه نحن الكبار على أنه يرتبط بالانبياء. يريد الطفل هنا إنقاذ الإمام الحسين (ع)، ولو كان عبر طريق المعجزة، والتي يفهمها على أنها تدخل إلهي خارق لحماية ونصرة المعصوم. يطبّق الطفل هنا مجموعة مقدمات منطقية، مركبّة مما تعلمه وفهمه: فالإمام يمثل مدرسة الوحي، والعدو يريد الانتصار على الإمام، والله تدخل دوما إلى جانب الأنبياء، فلا بد وأن يتدخل لحماية الإمام.


  ويمكن مثلا الإجابة على هذا السؤال، بتعريف الطفل على أن المعجزة تختص بإثبات وجود الوحي والله تعالى، ونحن في في حالة الإمام الحسين (ع) لا يوجد مثل هذا التحدي. ومن ثم، نضرب مثلا للطفل، أنّه في حال لو أراد الأب أن يحمي طفله دوماً، فهل يمكن أن يكون للطفل في يوم من الأيام القدرة على مواجهة من يؤذونه من أترابه؟ فالصحيح أن يتولى الطفل تقوية نفسه شيئا فشيئا ولو كان هذا التدريب فيه شدة وبأس عليه. وهكذا كان يراد للناس أن يصبحوا متعلقين بقوة بالإسلام ولو تطلب هذا الأمر، أن يتحملوا نتيجة أخطائهم الفادحة كما فعلوا في عاشوراء. إذ لا بد في نهاية الأمر أن يروا أن ما يفعلونه هو أمر خاطئ كلياً، ويصبح تمسكهم بالإمام تمسكاً نهائيا لأنهم جربوا تركه من قبل. وهكذا.

  • عدم محاكمة تعابير الطفل في استخلاصه للمواقف الخاصة به من كربلاء. إذ – ومع النمو اللغوي المطرد عنده في هذه المرحلة- قد تخونه التعابير، أو لا يلتفت إلى أن بعضها قد لا يناسب العرف المحيط به. لذلك لا بد من مساعدته أحياناً في تقديم بعض الاصطلاحات والألفاظ كي يُحسّن من قدرته البيانية على التعبير عما يريد.
     

  • عدم الضغط عليه للمشاركة في المجالس العاشورائية في حال أظهر شيئا من النفور، أو التبرم، أو عدم الاهتمام. العقل هو المدخل الأساسي هنا، ولفت نظره إلى أهمية المشاركة في المجالس، يكون من خلال تحفيزه معرفيا، وكذلك استثارة جانبه الوجداني من خلال نقل بعض المواقف المؤثرة من كربلاء ولكن تلك التي لا تحمل في داخلها تعقيدات معرفية قد تصدمه أو تعيق إقباله.. وأن البكاء أحياناً هو أمر ذو دلالة إنسانية بالغة الرفعة والجمال.

 

  في الختام لا بد من الاهتمام الوافر من قبل المربين، بهذه الفئة العمرية الحساسة، والمفصلية قبيل ترك الطفل لعالم الطفولة وانتقاله إلى مرحلة بداية الشباب، والأخذ برفق بيده والتعامل الصادق مع إثاراته المعرفية والعقلية، وعدم ترك فجوات معرفية في نظرته لواقعة كربلاء، والاستعانة بالمختصين في الاجابة عما لم يستطع المربي الإجابة عليه، وتحقيق التوازن في شخصية الطفل في تعامله مع مناسبة عاشوراء، بين العقلانية الحساسة والانفعال الوجداني المرتقب من قبل البيئة المحيطة به.

 


المصادر:

(1)   يامنة وفاء حوات، ونوال صمداني (2015/2016م)، الحاجات السيكولوجيّة لتلاميذ المرحلة الابتدائيّة في ضوء نظريّات علم النفس التربوي، تلمسان- الجزائر: وزارة التعليم العالي والبحث العلمي- جامعة أبي بكر بلقايد، صفحة 25-27. بتصرّف .

 

 


الشيخ الدكتور محمد باقر كجك : دكتوراه في المناهج التربوية وباحث في الانثروبولوجيا التربوية، باحث في مركز الأبحاث والدراسات التربوية ESRC  في بيروت.

أضيف بتاريخ :2021/08/14 - آخر تحديث : 2021/08/14 - عدد قراءات المقال : 1372

الكلمات المفتاحية : عاشوراء طفولة متأخرة