الى الاعلى
  • وَتَحَنَّنُوا عَلَى أَيْتَامِ النَّاسِ يُتَحَنَّنْ عَلَى أَيْتَامِكُمْ

إدمان الارتياد لمراكز الإنترنت ودورها في المشكلات النفس_اجتماعيّة


    
إدمان الارتياد لمراكز الإنترنت ودورها في المشكلات النفس_اجتماعيّة    
"ضاحية بيروت الجنوبيّة أنموذجًا"


(ملخص دراسة - Thesis Abstract)

 

 


إعداد: عبير قاسم صلاح 


   شهدت المجتمعات الإنسانيّة خلال العقد الأخير من القرن الماضي، تطوّرات متسارعة ومتلاحقة لتكنولوجيا الاتصالات والمعلومات، ممّا ساهمت في تسهيل إمكانية التواصل الإنساني والحضاري، ولعلّ أهمّها يتمثّل في شبكة المعلومات العالميّة "الإنترنت" الّتي تعدّ من أهم الإنجازات البشريّة في عصر المعلوماتيّة. وعلى الرّغم ممّا قدّمته تكنولوجيا الإنترنت من تطبيقات وتسهيلات، إلاّ أنّ ثمّة عائقًا دينامكيًّا في هذا العصر قد طبع تأثيره على سلوكيّاتنا الاجتماعيّة والنفسيّة، تجلّت صورها بالاستعمال المفرط والمبالغ فيه للإنترنت من ناحية، وتداعيّاته السلبيّة الّتي وصلت إلى حدّ الإدمان من ناحية أخرى، إذ تعرّفه الجمعيّة الأميركية بأنّه استخدام الإنترنت بما يتجاوز 38 ساعة أسبوعيًا لغير حاجة العمل مع الميل إلى زيادة ساعات استخدام الإنترنت لإشباع الرّغبة نفسها الّتي كانت تشبعها من قبل ساعات أقل، مع المعاناة من أعراض نفسيّة وجسميّة عند انقطاع الاتصال، منها التوتّر النفسيّ الحركي، والقلق، وتركيز التفكير بشكل قهري حول الإنترنت. 


   تزامنًا مع هذا الانتشار الواسع والسّريع لتكنولوجيا الاتصالات، ظهرت العديد من المكمّلات والمتمّمات، منها ما يُعرف بـ "مراكز الإنترنت" الّتي تلقّفت أعداداَ كبير من فئة الشّباب بمرحلتيها المراهقة والرشد، حيث لا يزال يكتشف الشاب فيها هويّته، ويتعرّف على شخصيّته. ولعلّ السبب الملّح في ذهاب الشباب إلى مراكز الانترنت يعود إلى عاملين أساسيّين يمكن التعرّف عليهما من خلال المتغيّرات المرتبطة بهما. عوامل مرتبطة بالفرد نفسه، وهي عوامل اجتماعيّة، نفسيّة واقتصاديّة الّتي تدفع الشباب إلى ارتياد المراكز، وأخرى مرتبطة بالمراكز نفسها الّتي تشمل مكوّناتها الجاذبة، الأنشطة والممارسات والخدمات المتوفّرة الّتي تجذب الشباب لارتيادها. 


وإدمان الروّاد على شبكة الإنترنت في تلك المراكز يُعدّ أحد سلبيات الإستخدام المفرط والمبالغ فيه،  وهذا ما تعرضت له الدراسة الحاليّة، فتناولت ظاهرة الإدمان على الإنترنت كنتيجة الإستخدام المفرط، أو إساءة استخدام هذه الأداة التكنولوجيّة المهمّة بين مرتادي بعض مراكز الضّاحية الجنوبيّة لبيروت، وما يترتّب عليها من مشكلات نفس- اجتماعيّة من وحدة نفسيّة وبالتالي الاكتئاب. فالتداخل بين الوحدة النفسيّة والاكتئاب قد يرجع إلى الأسباب الّتي تكون وراء الوحدة نفسها الّتي يمكن أن تعود إلى الاكتئاب. والوحدة حالة يشعر فيها الفرد بشيء ينقصه، والمظهر الأساسي لها هو الوحشة والوحدة النفسيّة. أمّا الاكتئاب تكون الحالة الوجدانية هي الغضب، فالشخص الّذي يشعر بالوحدة قد يصل إلى الناس لكن لا يستطيع أن يتواصل معهم، وبذلك تعتبر من أعراض الاكتئاب والعكس. ممّا يؤدّي إلى التأثير على علاقاتهم الاجتماعيّة، وإلى عدم قدرتهم على التواصل مع الأفراد المحيطين بهم، بحيث وصف سولفيان بأن ليس من الضروريّ أن يكون الفرد معزولًا فيزيقيًا ليخبر الوحدة النفسيّة، وإنّما تنبع من افتقاد الفرد للعلاقات الاجتماعيّة، وبالتالي فإنّ الوحدة النفسيّة هي خبرة ذاتيّة قد يعاني منها الفرد على الرغم من وجوده مع غيره، ممّا يدفعنا للتساؤل التالي: 

 

  • ما هي آثار ارتياد مراكز الإنترنت وعلاقتها ببعض المشكلات النفس-اجتماعيّة؟

فما هي المشكلات النفس-اجتماعيّة المتولّدة من إدمان ارتياد المراكز؟
المشكلات النفس اجتماعية هي عبارة عن حالة من الارتباك وعدم القدرة على التفاعل في المواقف والعلاقات الاجتماعيّة والشخصيّة. إذًا، فالمشكلات النّفس-اجتماعيّة، هي تلك الصّعوبات ومظاهر الانحراف وسوء التّكييف الاجتماعيّ الّتي يتعرّض لها الفرد، فتقلّل من فعّاليّته وكفاءته النفسيّة الاجتماعيّة وتحدّ من قدراته على بناء علاقات اجتماعيّة ناجحة مع الآخرين. 


   تستمدّ الدّراسة الحاليّة أهميّتها من كونها تسلّط الضّوء على أهميّة الفئة المبحوثة (المراهقين والراشدين) وأسباب وصول بعضهم لدرجة الإدمان على الإنترنت، وضرورة دراسة أيّ متغيّرات قد تؤثّر عليهم سواء سلبًا أو إيجابًا خاصّةً مع إمكانيّة تغيّر النّسق القيمي والأخلاقي في عصر الانفتاح الثّقافي والإعلامي وضرورة إخضاع قيم الشّباب للملاحظة البحثيّة المستمرّة للوقوف على مدى ثباتها أو تغيّرها. 

وفي إطار المعالجة قسّمت الدراسة إلى ثلاثة فصول :

  • الفصل الأوّل حول الإنترنت وارتياد مراكز الإنترنت. 

  • الفصل الثاني حول المشكلات النفس_اجتماعيّة متمثّلةَ بالوحدة النفسيّة والإكتئاب. 

  • الفصل الثالث حول النتائج الميدانية، تمّ اختيار عيّنة قصديّة من المراهقين والراشدين تتراوح أعمارهم بين 15-30. وبما أنّ مجتمع البحث كبير لا يمكن تحديد حجمه بدقّة لغياب إحصائيّات دقيقة، ارتأينا إجراء مسح شامل لجميع روّاد مراكز الإنترنت في ضاحية بيروت الجنوبيّة  لتكون بذلك عيّنة البحث مؤلّفة من 200 مفردة من الروّاد. فكانت عيّنة الدراسة كلّها من الذكور. حيث اتضحّ من خلال دراسة علاقة المتغيّرات ببعضها البعض، ان الإستخدام المفرط للإنترنت في المراكز يؤدّي إلى حالة سلوكيّة غير سوّية متمثّلة بالوحدة النفسيّة والشعور بالإكتئاب، وإلى نتائج أخرى أهمّها : 

    •  إنّ إدمان ارتياد المراكز كوّن مشكلات أسريّة وبالتالي تفكك عائلي.

    • حِرص أصحاب المراكز على تطوير المكوّنات وعوامل الجذب، حثّ على استمرارية الإرتياد.

    • قصد الروّاد مراكز الإنترنت لتنوّع استخداماتها رفع مستوى الإدمان على الإنترنت.

    • لم تظهر أي علاقة لبطالة بأنها تؤدّي إلى زيادة ارتياد مراكز الإنترنت.  

 

توصّلت هذه الدراسة من خلال متغيّراتها التابعة لها، مقارنةً مع المؤشّرات ودلالتها الإحصائيّة، أنّ إدمان ارتياد المراكز والخوض في غمارها، تؤدّي إلى فقدان إعتبار الذّات وسوء العلاقات الإجتماعيّة من جهة، وإلى الوقوع في الشعور بالوحدة النفسيّة التّي تؤدّي بدورها إلى الإكتئاب لترابط المشكلتين النفس_اجتماعيّة بعضها ببعض... 


وعليه من أهمّ التوصيات التّي على الجهات المعنية الأخذ بها جدّياً، ضبط موضوع تلك المراكز من جهّة الترخيص الرسمي، والمراقبة الدوريّة للتّخفيف من وطأة وحدّة الإدمان وارتيادها العشوائي.


 

أضيف بتاريخ :2021/04/27 - آخر تحديث : 2021/04/27 - عدد قراءات المقال : 213