الى الاعلى
  • إذا قعد أحدكم في منزله فليُرخِ عليه ستره، فإنّ الله تعالى قسم الحياء كما قسم الرزق"النبي عيسى(ع)"

البعد المعرفي في التربية على معاداة التطبيع


البعد المعرفي في التربية على معاداة التطبيع


د. باقر كجك*


مقدمة:


إنَّ إحدى أهم أدوات "التطبيع" في مجتمعاتنا أن تقوم مؤسسات التنشئة الاجتماعية التقليدية بمهمة تربية وتنشئة الأجيال على فكرة التطبيع. فالتنشئة الاجتماعية المسؤولة عن الرأسمال الثقافي لأي مجمتع والانتقال الثقافي (cultural transition) من جيل إلى جيل، والتثاقف (acculturation)  بين الفرد والجماعة وبين الجماعة وجماعات أخرى، حيث يتم نقل الرساميل الرمزية والخيالية بكل ما تتضمنه من قيم، ومبادئ، وبنى فكرية ومعرفية وسلوكية، ووظائفية، التي تخدم كلها حركة الجماعة البشرية لتحقيق وجودها واستمرارها وخدمة مصالحها. وتستعمل من أجل ذلك أدوات أنثروبولوجية هامة كالـ "اللغة" والـ "طقوس" والـ" العلاقات القرابية" و"التربية من وجهة نظر أنثروبولوجية" وغير ذلك. 


ومن هذه "المؤسسات" الهامة جدا، الأسرة.  لقد أولت الانثروبولوجيا أهمية كبرى لدراسة "الأسرة" كإحدى المؤسسات أو المكونات الأكثر حيوية لاستمرار البشر كـ "ظاهرةٍ ثقافية". فعمليات التنشئة التي تحصل داخل الأسرة، تؤثر بشكل طردي وعكسي وبنيوي ووظيفي، في إنشاء المجتمع، في نشاطه الاقتصادي والسياسي والاجتماعي واللغوي وظواهره النفسية وغير ذلك. صحيح أن أوائل دراسات انثروبولوجيا الأسرة انصبت بأغلبها على نشاط الأسرة الاقتصادي،  وربطت عملية الانجاب بذلك، إلا أنّ تطور دراسات الأسرة الحديثة تجاوزت المعطى البيولوجي إلى معطى اقتصادي-سياسي أكثر تعقيداً، بل إن فهم الرأسمال الرمزي لإنشاء الأسرة في سياقاته الثقافية المتنوعة، تفتح بوابة الفهم والتأويل والترميز إلى أبعاد أكثر دقة وعمقاً وشموليةً.


    وفي الزمن الراهن خصوصا في المجتمعات التي تحولت إلى صيغة العيش المديني والحضري بشكل كامل أو هي في طور التحول، هناك تبدّل في المزاج العلمي في تجاوز التسمية بالعائلة إلى "العائلات"، كمفهوم تحليلي ينتمي إلى سياقِ نظامٍ تاريخي وثقافي أو ايديولوجي رمزي. إذ أنَّ التأثيرات التي تخضع لها العائلات أضحت اجتماعية كلية أكثر من كونها حالات "فردية وجزئية"، خصوصا إذا نظرنا من زاوية ديناميكات أساسية في ميادين مختلفة مثل ميدان التربية.


    ومن هنا، نجد أن فهم قضية التطبيع مع الاحتلال الاسرائيلي، في ميدان الأسرة، وتحليل أدواته وسياقاته الرمزية، ووظائفه الايديولوجية والسياسية والثقافية وغيرها، لا ينبغي أن يكون بعيدا عن مناهج الانثروبولوجيا وخصوصا أنثروبولوجيا التربية. (وهي تشابه ما حصل من  Normalization of White Culture وفرض التطبيع الثقافي القسري على المجتمعات الأصلية في أميركا إلخ).
فيما يلي، أطرح للتأمل قضية البعد المعرفي في التربية الأسرية للتفكير في التحديات التي يفرضها التطبيع مع الاحتلال الاسرائيلي على التربية الأسرية في بلادنا.

 

التطبيع في بعده المعرفي


    يعد البعد المعرفي (Cognitive Dimension)  في عمليات التربية، بعداً أساسيا في توجيه الفرد وموضعته في إطارٍ ابستيمولوجي وأيديولوجي. يعتبر العديد من الباحثين في ميدان التربية، البعد المعرفي هو المرادف الحقيقي لعملية التعليم، فاكتساب المعرفة هو من أهم محددات العملية التعليمية. وعملية التثاقف والانتقال الثقافي، يتأكد نجاحها عندما تكون المكونات المعرفية الأساس (بغض النظر عن شكلها الخارجي، أي الطقوس، والممارسات الاجتماعية وغير ذلك) قد تحققت في ثقلها الكافي في المنتقَل إليه والطرف الثاني من عملية التثقيف. من البديهي أن تتم عملية التنشئة الاجتماعية وفق إطار معرفي، ورأسمال معرفي وثقافي. 


وهنا بيت القصيد في ما يخص التربية على التطبيع أو التربية ضد التطبيع. 
إذ أشارات الدكتورة ندى أبو علي في دراستها للمنهج الرسمي تحت عنوان "أمام هذا الواقع نطرح السؤال: هل تسمح عمليّةُ التعليم والتعلّم في المدرسة الرسميّة بتربيةٍ قيميّةٍ ووجدانيّةٍ لمناهضة التطبيع مع "إسرائيل" من خلال منهج مادّة التربية الوطنية والتنشئة المدنيّة (1997)؟" إلى العديد من المواضع التي ظهر فيها المحتوى المعرفي للمادة التربية الوطنية والتنشئة المدنية، في تقييمها النهائي، ضعيفا وغير كافٍ لتأسيس بنية معرفية لمواجهة التطبيع والانتصار عليه. 


وقد قمت بدراسة نسبة الأهداف المعرفية الموجهة للتربية ضد التطبيع في المنهج الرسمي اللبناني، فكانت قياساً للاهداف العامة والجزئية تشكل ما نبسته ال0.5 بالمائة. قد يعود أحد الاسباب، إلى كون اتفاق الطائف عدَّ العدو الاسرائيلي عدواً دولياً، بلحاظ أنه يخضع لقرار مجلس الأمن 425 وغير ذلك، ولكنه لا يعد عدواً وجوديا له، أو ما يشكلُ تهديداً "ايديولوجياً في بعده المعرفي". ربما لأن ذلك أمرٌ خلافي داخل لبنان. لذلك، فإن التطبيع من زاوية معرفية، يعد أمراً غير واضحٍ. ويظهر ذلك في الاختلافات البنيوية بين الجهات الداعية إلى رفض التطبيع مع العدو الاسرائيلي كتعريف " الحملةُ الفلسطينيّة للمقاطعة الأكاديميّة والثقافيّة لإسرائيل" وباقي الحملات في البلدان العربية. فضلاً، عن مواقف التيارات السياسية المتضاربة داخل لبنان.


أضف إلى أن المساحة النادرة، المعطاة للمقاومة (بل وتحوير مفهوم المقاومة في سياقها التاريخي ليتكون ليست فقط ضد اسرائيل، وبالتالي تحويلها إلى رأسمال رمزي يمكن تخصيصه ثقافيا بحسب الجماعات والطوائف اللبنانية) في المنهج الرسمي، ألا يعد أيضا من نتائج المنهج الخفي الممارس (والموجه أيضاً) لعدم إعطاء المقاومة ذلك المفهوم الشمولي والوجودي المساوق لوجود الاحتلال الاسرائيلي في لبنان وفلسطين وباقي الأراضي العربية؟ وهذا المنهج الخفي كما نعتقد ونفترض يمتد في وسائله وأداوته إلى وسائل التواصل والاعلام والمواد السمعية والبصرية والجدل السياسي الاعلامي التي تتأثر بها الأسر اللبنانية؟


هنا، ستقع الأسرة في لبنان (الأسرة، في بيئة المقاومة، وخارجها) في عدم وضوح معرفي. أو فلنقل، إنها ستكون فريسة تضارب معرفي كبير حول ماهية التطبيع، وإطاره الأيديولوجي، والخطاب المعرفي المرافق له، خصوصاً إذا كان الأطفال يتلقون تثقيفاً "غير كافٍ" في المؤسسة التعليمية الرسمية، أو يتلقون تثقيفا على طرفي النقيض في المؤسسات التعليمية في القطاع الخاص. في ظل رواياتٍ متضاربة حول التاريخ اللبناني والمنطقة، التي يسببها فقدان كتاب تاريخ موحد في لبنان. وكذلك خطابات الأحزاب السياسية المتنوعة في لبنان. 


حسناً، إذا كانت الأسرة تعد الحلقة الأولى للانتقال الثقافي والتثاقف، وتتعرض إلى هذا الكم الكبير من التشتت المعرفي (والذي قد يكون نتيجة تطبيقات منهج خفي Hidden Curriculum تتعرض إليه كجزء من السيستم التربوي الرديف الـ Nega System فكيف يمكن أن تقوم العائلة في لبنان ببناءٍ سلوكٍ  أو بعد عاطفيً (Affective Dimension) مؤسس على إطار معرفي واضح "ضد التطبيع"؟


تزداد صعوبة الاتفاق على بعد معرفي واضح ودقيق للتطبيع، في الداخل اللبناني لأسباب كثيرة. ومع ذلك، تبقى في أيدي المؤسسات الأهلية والمدنية والاجتماعية، والنظام التربوي الرسمي والقطاع الخاص، مساحة كبيرة جداً، للاتفاق على معطى معرفي وتربوي واضح، يعرّف التطبيع، وأداوته، ومداه الزمني والمكاني، وآليات المواجهة، والتعريف بمخاطره.


لقد نفذ العدو في العديد من المجتعمات العربية من خلال العبث في مناهج التعليم، والتأثير في أدوات التنشئة الاجتماعية المتنوعة (التلفاز، الصور المتحركة، المواد البصرية والسمعية والتفاعلية، الانترنت، وسائل التواصل، المدارس، الكتب والقصص والمطبوعات.... فعلى سبيل المثال اشترطت السفارة البريطانية على إحدى المدارس في لبنان عدم اقتناء اي كتاب ينادي بعداوة المحتل الاسرائيلي كشرط لامداد مكتبتها الخاصة بآلاف الكتب.. الخ).. وحقق مطلوبه في العبث في مفهوم معاداة التطبيع، وهدمه، وتبديله إلى ضرورة التطبيع، بل وإلى ضرورة حماية الكيان الغاصب. 
إنَّها معضلة تربوية معرفية في المقام الأول. ولذلك تقبلت الأسر هذا الانقلاب المفاهيم دون أي مقاومة.


فكيف يمكن إبقاء هذا المفهوم حياً، في بعده المعرفي، مهما حصلت تبدلات سياسية وغيرها في المنطقة والبلاد؟ 
وكيف يمكن تحويل مفهوم المقاومة الشاملة إلى المفهوم المعرفي الأول في التربية الأسرية؟

هذا هو المهم.

 

خلاصة


    رغم وضوح جريمة سلب الشعب الفلسطيني أرضه والاعتداء على ثقافته وتراثه، ومحاولة قوننة الكيان الاسرائيلي والاعتراف به، ورغم أن حركة المقاومة حققت العديد من التقدم والانتصار، إلا أن ذلك لم يترافق بشكل واضح لتقدم آخر على مستوى إدخال مفهوم المقاومة إلى التربية الاسرية كي تظل هذه الأسر تقوم بوظيفتها في التنشئة الاجتماعية على المقاومة ورفض التطبيع والثبات على قيمةِ استعادة الأرض كما كانت قبل قدوم المحتل.


هناك، إضافة إلى المشكلة في تشوش البعد المعرفي، عوامل كثيرة تساهم في اشتداد الوطأة على مناعة الأسر في التربية على معاداة التطبيع، منها ما يرتبط بتقسم العمل ومنطق السوق السائدين في بلادنا الذي أثر كثيراً على استقلال  الأسر في قراراتها المعرفية والسياسية، وجرّت البلاد إلى التبعية السياسية والمعرفية للغرب. 
ويبقى صوت الصراع على المعرفة، أعلى من كل صراخ المعارك وارتطام الأسنة والسلاح.

 


دكتوراه في المناهج التربوية وباحث في الانثروبولوجيا التربوية، باحث في مركز الأبحاث والدراسات التربوية ESRC  في بيروت.

أضيف بتاريخ :2021/03/23 - آخر تحديث : 2021/05/10 - عدد قراءات المقال : 641

الكلمات المفتاحية : التطبيع