الى الاعلى
  • وَتَحَنَّنُوا عَلَى أَيْتَامِ النَّاسِ يُتَحَنَّنْ عَلَى أَيْتَامِكُمْ

المناهج التربوية في عصرنا المتجدد


المناهج التربوية في عصرنا المتجدد

الشيخ د. عباس كنعان

 

   إنّ العملية التربوية كفعل إنساني هادف لا يمكن فصلها عن المسار العام والتحولات التي قد تطرأ على المجتمع البشري، بمتغيراته المتداخلة والمتفاعلة، سواء على مستوى الاكتشاف العلمي، وتطور القدرات العقلية،  ومداركها، وسعة آفاقها المعرفية، أو على مستوى مكوناته المختلفة وطبيعة العلاقات القائمة فيما بينها، ولا نعني بذلك التبدل أو التغير على مستوى البناء التحتي للتربية، أو ما يصطلح عليه بالفلسفة التربوية ، وإن كان ذلك موردًا للدراسة والبحث، والتمحيص والتدقيق بمرور حقبة زمنية معينة، ليست قصيرة، بل ما يمكن أن نقصده هنا، هو ما يمكن أن يتعلق بالبناء الفوقاني للتربية، كالمناهج والأنظمة التربوية، وما تتضمنه، من استراتيجيات تعليمية وتعلمية، ومحتويات معرفية، وأهداف، وكفايات، وغايات، وأساليب، وطرق وأدوات، ...إلخ، وهذا في السياق الطبيعي، فكيف ذلك لو أصبح الحال كما هو عليه الآن من تحولات كبيرة شهدته المجتمع البشري، سواء على مستوى الثورة المعرفية المتسارعة والانفجار المعرفي المتشظي، أو على مستوى التقدم الهائل للتقنيات الحديثة، خاصة فيما يرتبط بنقل المعلومات والبيانات، وتقريب المسافات عبر شبكات الانترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، والتقنيات البصرية،...إلخ، وفي ظل هذا المسار المأزوم على مستوى واقع المعرفة ، والحضارة البشرية، وما يمكن أن تؤول إليه على المستوى الأخلاقي، والقيمي، وتشكيل الهوية خاصة في سياق إعادة طرح مجموعة من الطروحات العالمية، كثقافة المواطنة الرقمية، والمواطنة العالمية، في قبال المواطنة الوطنية، وعولمة الكثير من المفردات، في ظل العولمة الثقافية، أو ثقافة العولمة، انبثقت عن مجموعة من سياقات مضطربة على أكثر من صعيد، سياسي، واقتصادي، وثقافي،..إلخ.


كما أن البعض يذهب إلى طرح سؤال عن مصير المدرسة والمؤسسات التعليمية التي اعتدنا عليها في القرن الماضي، وإعادة التموضع إلى ما يُعرف بالتعليم الذاتي، أو تفريد التعليم، أو غيرها من الطرحات ذات المنحى الإنقلابي عما هو قائم حاليًا، خاصة بعدما فرضته جائحة كورونا على آليات التعليم والتواصل عن بعد.


إذ يُحتم علينا-كل ذلك- إعادة دراسة مستويات التحول السيال على مستوى المناهج التربوية، وكيف يمكنها مواكبة هذا الحجم الهائل من التحولات.
يمكن لنا الذهاب في التفكير إلى ما يساهم في رسم خطوطه العامة فقًا للمشخصات التالية:

 

  • إعادة التركيز على محورية التفكير والتعقل لدى المتربي-المتعلم، كمدخلية للبناء التربوي والعلمي والمعرفي لديه، إذ يستدعي ذلك، ليس الاهتمام بمهارات التفكير على مستوى بعض المواد، والساحات التربوية، بل كمنطلق ومرتكز لمختف الساحات والاستراتيجيات التربوية والتعليمية، وإطار لكل ما يمكن أن يُقدم على مستوى مختلف عناصر العملية التربوية.

  • إعادة الدور التفاعل للمحاور المتعددة داخل العملية التربوية، وليس لأحادية المحور، أي تعزيز محور المربي، بما يمتلك من قدرات بنائية للتربية، وتفعيل محورية المتربي بما لديه من قابليات واستعدادات تكاملية، وتصويب محورية المـُعطى التربوي والتعليمي، بما يتسم به من حقائق وعلوم مساهمة في الحياة الطيبة للإنسان.

  • قيام استراتيجيات تقيمية وتقويمية للنتاج التربوي والتعليمي، يركز على البعد الحياتي والأثر الفعلي للمعرفة، دون الاستغراق في تقييم آليات البناء والتربية.

  • إعادة أنسنة التربية ، لا مكننتها أو رقملتها، بكل ما تحمل الإنسانية، من روح عطاء وتفاعل، وحب، ورسالية، وذلك من خلال ما يمكن أن يستدعي ذلك إعادة النظر بالأطر النظرية للأنظمة التربوية.

  • إعادة النظر بالكثير من مخلفات النظريات التربوية الغربية، التي غزت كل كياناتنا التربوية والتعليمية، ومداركنا في هذا المجال، وأصبحنا أسارى مقيدين بما فرضته علينا من مسلمات لا أساس لها، وحتميات لا قيمة لها، وقبليات تحكم مساراتنا التربوية والتعليمية، وهو جهد نظري تأسيسي في هذا المجال.

  • تعزيز عملية ربط التربية والعلوم المقدمة -كمحتويات معرفية-بالحياة البشرية، أكثر، أي الابتعاد عن كل ما يمكن أن يشكل ترفًا معرفيًا لدى المتربين، والتركيز على محورية المطالب، وتنقية المناهج من كل ما يمكن أن يمثل حشوًا، ولغوًا، واطنابًا لا قيمة له، وهو ما يتماثل داخل العديد من المناهج، حيث يزيد من تشتت المتعلمين، وضياع أوقاتهم، بل إلى تراجع دافعيتهم نحو التعلم.

 

 

لتنزيل المقالة مع المراجع أنقر هنا


الشيخ د. عباس كنعان  - مدير تطوير المناهج في مركز الأبحاث والدراسات التربوية 

أضيف بتاريخ :2021/02/23 - آخر تحديث : 2021/02/23 - عدد قراءات المقال : 259