الى الاعلى
  • وَارْحَمُوا صِغَارَكُمْ، وَصِلُوا أَرْحَامَكُمْ، وَاحْفَظُوا أَلْسِنَتَكُمْ، وَغُضُّوا عَمَّا لا يَحِلُّ النَّظَرُ إِلَيْهِ أَبْصَارَكُمْ

المناهج التعليمية اللبنانية: الكائن الهجين


المناهج التعليمية اللبنانية: الكائن الهجين

 

  تحتل المناهج التربوية في أي بلد من البلدان إحدى أهم المدخلات البنائية لتربية وصناعة أفراد المجتمع، ومستقبل أبنائه، ومساراتهم الحياتية، إذ تشكل سبيلاً لتكوين وبلورة هويتهم وشخصياتهم (أو بالتعبير القرآني "الشاكلة"، لقوله تعالى: (قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَىٰ سَبِيلًا) ، ومستوياتهم المعرفية والعقلية، وتنمية قدراتهم النفسية، والروحية، والجسمية، والاجتماعية، ..إلخ، ولهذا عندما يكون هناك خلل ما على مستوى النواتج التعليمية، أو تحديات جوهرية على مستوى مسار المجتمع، وثقافته وفكره، وواقعه المعاش، فأول ما يقع في طريق التقييم والتقويم هو المنهج التعليمي، بكل مكوناته البنائية، وأطره النظرية، وهندسته التربوية.


  ومن جهة أخرى يحكم على هذه المناهج بالفشل أو النجاح بمقدار ما تحققه من تطلعات مستقبلية حددتها الفلسفة التربوية التي تستند إليها في صياغة الغايات الكبرى للنظام التربوي، والذي عادة ما تكون على يد السلطة الحاكمة في هذه المجتمع أو ذاك، أي أن السياسة الحاكمة في الدولة هي التي تضع المداميك الأولى لصناعة تلك الوقائع التربوية، بالاستناد إلى اللجان التخصصية المحترفة، والقدرات المنظرة التي تعمل على هندسة تلك المناهج وبنائها، وتصميمها، وفقًا لآلياتها التخصصية، وأدواتها العلمية، وخبراتها المعرفية، وبالاستناد إلى الأطر النظرية والفلسفة التربوية، المصاغة والمحكمة البناء.


  وبالنظر إلى الواقع التعليمي في لبنان، نجد هناك جملة من الوقائع تكاد تكون ساحة من الركام المتناثر والمبعثر، بعدما عصفت به الكثير من المعارك والحروب، على المستوى التاريخي، والثقافي، والمعرفي، والاجتماعي، ... يكاد نطلق عليه "الكائن التربوي الهجين"، والذي عبثت به أيادٍ واجتهادات متنافرة، مضطربة البناء المعرفي والنفسي، والمنطلق التاريخي، وانصاعت لمشاريع التمويل الخارجي تارة، وإلى الخيارات السياسية المضطربة والتي عشعش فيها الفساد، وضيعتها المصالح الفئوية والمنافع الفردية تارة أخرى.


  إن نظرتنا هذه إلى هذا البناء الهجين، لا ينطلق من تصويرٍ سلبيٍ للواقع، بقدر ما يُشكل تنبيهًا لمدى الحاجة إلى انطلاق ثورة بنائية تربوية جديدة، تعيد النظر بآليات الهندسة البنائية، والفلسفة التربوية التأسيسية، ونظرتنا إلى التربية بمنظار أشمل، وأكمل، وأصوب، تعيد للإنسان مساره التكاملي، ولا تنغلق على هدفية تلبية حاجات الأسواق الاقتصادية الآنية والمستقبلية، بل تسعى لتلبية حاجاته في مسار تحقيق سعادته الحقيقية، ولهذا فإننا نحتاج في هذا السياق إلى ما يلي:

  • إعادة صياغة الفلسفة التربوية على المستوى الوطني ككل، يراعى فيها، تعددية المكون الديني، والثقافي والاجتماعي، ويهدف إلى بناء الإنسان في كافة الأبعاد والساحات، ولا يقتصر على النواتج الأكاديمية الأحادية الجانب(كالتقدم بهذه المادة التعليمة أو تلك)، وذلك للإجابة على سؤال: أي انسانٍ نريد؟ متتحررة –بذلك- من المعيارية الحاكمة عالميًا في تقييم المتعلمين، أو تقييم المناهج أو العملية التعليمية، لأي بلد، بل تنطلق من مقارباتها الخاصة، والمتكاملة حول الإنسان والوجود، وهدفية خلقه، وخالقه.

  • تحرر النظام التربوي من المحاصصات السياسية والفئوية الضيقة، والمنغلقة على مصالحها وحساباتها الخاصة، إن على مستوى تشكيل وتعيين في المواقع المعنية بالإدارة النظام التعليمي والتربوية، او على مساوى تشكيل اللجان المتخصصة.

  • استثمار القدرات والكفاءات التربوية الأنسب والأقدر، إن على مستوى إعادة صياغة الفلسفة التربوية، أو على مستوى إعادة بناء وهندسة وتصميم المناهج التربوية.

  • وضع التشريعات والقوانين المواكبة لهذا المسار التحولي البنيوي، على المستوى الوطني ككل.

  • كف أيدي العابثين من المتطفلين، والمشاريع وجمعيات التمويل الخارجي، أو الداخلي (الموجودة حاليًا)، التي تأخذ غالبًا مصالحها الخاصة، وضمن أجندات معروفة الغايات والمنطلقات.

  • إعادة النظر بالآليات والقوانين الخاصة بالمعلمين، وتأهيليهم، ودعمهم، وتوفير مستلزمات أدائهم وكفاءاتهم، وتقويمهم، وتلبية مطالبهم المحقة، بما يرفع من النتاج التربوي بشكل عام.

  • السعي الجاد –على مستوى السلطة السياسية الحاكمة-لتوفير الإمكانيات المادية والمالية والبشرية اللازمة لعملية التحول البنيوي هذا.

والله ولي التوفيق..



إعداد: الشيخ د.عباس كنعان م. تطوير المناهج في المركز

أضيف بتاريخ :2021/01/21 - آخر تحديث : 2021/01/21 - عدد قراءات المقال : 592