الى الاعلى
  • وَتَحَنَّنُوا عَلَى أَيْتَامِ النَّاسِ يُتَحَنَّنْ عَلَى أَيْتَامِكُمْ

هدف التربية الإسلامية هو هدف الحياة الإنسانية


هدف التربية الإسلامية هو هدف الحياة الإنسانية

الدكتور يوسف ابوخليل *


إنّ هدف الحياة هو جعل سلوك الإنسان وأدائه منسجماً مع بنيته الوجودية. وهذه البنية تحتوي عوامل فطرية، ويُعتبر عدم رعايتها في الإنسان بمنزلة الانحراف عن المسار الفطري لحياته. يسعى الإنسان من خلال اتخاذ التدابير اللازمة في نظام التربية والتعليم وبمراعاة المتغيرات الزمانية والمكانية وبقية مقتضيات الحياة اليومية أن يتحرك في هذا المسار الفطري. ولأجل الوصول إلى هدف الحياة فإنه ينساق وفقه برامجه التربوية. 


إذن، يمكن القول بوجود علاقة وطيدة  بين هدف الحياة وأهداف التربية، بمعنى أن الهدف الغائي في التربية والتعليم، هو نفسه هدف الحياة، الذي يؤدي الانحراف عنه إلى أن لا يصل الفرد إلى العيش وفق مقتضيات فطرته، وبالتالي، يبقى محروماً من التربية والتعليم الصحيحين. 


والجامع المشترك لمعنى الهدف، هو النتيجة التي يصل إليها الإنسان من خلال عمل أو مجموعة أعمال تصدر عنه، وينقسم الهدف إلى ثلاثة أقسام؛ هدف سلوكي وهدف وسيط وهدف نهائي والأهداف السلوكية والوسيطة لا بد من أن تسير باتجاه خدمة الهدف النهائي أي القرب من الله، وإلا إذا لم يكن خط سيرها باتجاه الهدف النهائي، فهي منحرفة عن المسار المطلوب، ولن تكون حينها أهداف وسيطة، لأن تسميتها بالأهداف الوسيطة يفيد أنها وسيلة لشيء آخر أعلى منها،  لا بدّ أن تُوصل إليه، وإذا لم توصل إليه، لم تكن هدفاً وسيطاً في الحقيقة. وبما أن الهدف النهائي في الرؤية الفلسفية التربوية الإسلامية، هو العبودية لله تعالى والقرب منه عزّ وجلّ، فلا بدّ من أن تصب روافد كل الأهداف في هذه البحيرة الرئيسة.


وبهذا  يتبين لنا، أن التربية الإسلامية لها هدف نهائي واحد، ولها مجموعة أهداف سلوكية ووسيطة، تتحرك على طريق الوصول إلى ذلك الهدف النهائي. من هنا، فما فعله بعض التربويين الإسلاميين، من تقسيم الأهداف التربوية مضمونياً إلى أقسام متعددة، إن كان بلحاظ الأهداف الوسيطة، فهو أمر صحيح وضروري، وإن كان بلحاظ الهدف النهائي، فإن الهدف النهائي في الرؤية التربوية الإسلامية حصري وواحد وغيرمتعدد، وهو القرب من الله تعالى. لذا، عندما يتمّ التعبير عن أهداف التربية، فإن الدائرة التي ينبغي التحرك فيها هي الأهداف الوسيطة، وعندما يتم التعبير عن هدف التربية، فإنها نقطة الوسط ومركز الدائرة، التي تتحرك كلّ الأهداف للإيصال إليها. 


وعليه، فالإنسان وكل الموجودات في هذا العالم، تسير نحو هدف معين، و تدلّ بعض آيات القرآن الكريم بنحوٍ صريحٍ وبتعابيرٍ متنوعة على هدفية الوجود من خلال:

  1. إعطاء الكمال الوجودي لكل شيء وهدايته نحو الكمال: (( قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى)) .

  2.  توجيه الموجودات نحو ما قُدّر لها: ((الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى*وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى)). 

  3. نفي العبثية في الخلق وأن الخلق حق : ((وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ)) .  

  4. اتجاه الإنسان الحتمي إلى لقاء الله خالقه ورجوعه اليه: (( إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى)) ، ((يَا أَيُّهَا الإنسان إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ)) 

 

وتحقّق قيمة القرب، لا يتم إلا من خلال "الحياة الطيبة". وهذا الشكل من الحياة الذي هو أسمى بكثير من الحياة المتعارفة عليها أو الطبيعيّة للبشر، لأنه يستتبع وراءه علماً وقدرة جديدين يُمنحان للبشر، وسيهيّىء ذلك العلم والقدرة الجديدان أرضيّة المعرفة الصحيحة للإنسان، فيما يتعلّق بحقائق عالم الوجود، ويبيّنان له الحقّ والباطل، ويخلّصانه من الغفله، ويعرّفانه على حقيقة الدنيا وزينتها وزخارفها الخادعة والميول نحو الشهوات الدنيويّة التي تنحرف بالإنسان، باتجاه الأهواء الضالة، وينجيانه من وساوس الشيطان والأهواء النفسيّة ويقرّبانه  من الله تعالى ويوجّهانه إليه. 


وهذه حقيقة قرآنيّة، وهي أنّ حياة خالصة خالية من التلوّث والفساد في هذه الحياة الدنيا، بانتظار المؤمنين الذين يعملون الصالحات انطلاقاً من إيمانهم العميق، والذين باتباعهم وطاعتهم للأنبياء والسير على هُداهم وصراطهم المستقيم،  قد هيّأوا مقدّمات سعادتهم الأبديّة، من خلال تشكيل حياة طيّبة في محيطهم.


لقد كانت الحياة الطيّبة وما زالت، هدف الأنبياء والرسل، ودعوة الأولياء والصالحين، ومراد المتكاملين والمهتدين، والحياة المطلوبة والمنشودة للإسلام وللأديان الإلهية كافّة.
في هذه الحياة الطيّبة، والتي هي بمعنى الحياة الطاهرة والنقيّة، تشمل الطهارة والنقاء جميع شؤون البشر؛ عقائدهم وأخلاقهم وأعمالهم وسلوكهم، وتطهّر المعارف والمسائل الأخلاقيّة والأحكام الإلهية حياة الإنسان كلّها، لتشمل أجسامهم وأفكارهم وعقولهم وأخلاقهم وعاداتهم وارتباطاتهم ومعاملاتهم وتدابيرهم وأحاديثهم.
فالحياة الطيّبة أثر خاصّ، وحاصل نوع من الحياة، يتحقّق فيها الالتزام بالأحكام والمعارف الدينيّة تحقّقاً عينيّاً وعمليّاً.

 

لتنزيل المقالة انقر هنا


الدكتور يوسف ابو خليل أستاذ جامعي ومدير مديرية الأبحاث النظرية في مركز الأبحاث والدراسات التربوية.

أضيف بتاريخ :2020/03/09 - آخر تحديث : 2020/03/09 - عدد قراءات المقال : 1380