الى الاعلى
  • وَتَحَنَّنُوا عَلَى أَيْتَامِ النَّاسِ يُتَحَنَّنْ عَلَى أَيْتَامِكُمْ

الصورة في العملية التعليمية


الصورة في العملية التعليمية
الكتاب التعليمي نموذجًا


إعداد : م. مديرية تطوير المناهج في مركزز الأبحاث و الدراسات التربوية الشيخ د. عباس كنعان


 مقدمة
   لا شك أن للصورة في العملية التعليمية تأثير بالغ الأهمية، ودور فاعل في إيصال المضمون العلمي والمعرفي، أو تحريك الجانب الوجداني (مشاعر وأحاسيس) لدى المتعلم، أو في بيان كيفية الأداء العملي والحركي للمهارات والسلوك، أو في جعل المتعلم مندمجًا مع محيطه الواقعي وضمن سياق من المقاربة اللصيقة، مع ذاك المحيط، ومتفاعلاً، إيجابيًا معه، أو سلبيًّا. وقد تطوّرت الصورة عبر التاريخ ، فمن الرسومات والنقوش على الطين والأحجار والصخور، إلى مرحلة الرسم على جلود الحيوانات، ثم على ورق النباتات، إلى حين بروز التصوير باستخدام الملوّنات المختلفة، النباتية والحجرية، ثم بعدها بالأصباغ المستخرجة من النبات وبعض الكائنات الأخرى، كالأصداف، وغيرها.
   

ولا شك بأن الصورة، أو التصاوير كان لها الدور الأبرز في عملية التواصل والكتابة منذ بدايات حضارة بلاد ما بين الرافدين، ومصر القديمة، إلى بلاد أسيا الشرقية القديمة، وغيرها، والباحث المدقّق يلتفت إلى حجم التحوّل في الكتابات القديمة، وصيرورتها عبر الزمن حروفًا، وصولاً إلى ما أصبحت عليه اليوم، حروفًا تنسج الكلمة، والنص المقروء. ولم تسقط الدور المضموني للصورة، وحجم ما تلقيه تلك الصور في ذهن ومشاعر وأحاسيس المتلقي.   

وقد تطورت التقنيات الحديثة، على مستوى الصورة، فمن صورة محدودة الألوان والأبعاد، إلى صورة متعددة الألوان والأبعاد، بل إلى مرحلة أكثر تعقيدًا من ذلك، وهي مرحلة تحريك الصورة، وما لبثت هذه المرحلة أن تحولت إلى مرحلة متقدمة جدًا، حيث استطاعت التقنية الحديثة أن تخلق مشهدية مصطنعة، ومبتكرة، يصعب تمييزها عن الواقع الحقيقي، لما يمكنها أن تتمثل الأحداث والمشاهد الواقعية، بدقة عالية الجودة، والوضوح، وحاكية عنه، بشكلٍ أشبه ما يكون إلى الوقائع الحقيقية.


1.في دلالة الصورة 
لقد تحدث الكثيرون من المفكرين والمنظرين -في مختلف الميادين- عن موضوع الصورة، ومنهم آبل جونز، حيث تناول الموضوع عام 1926م، فقال: "لقد أقبل عصر الصورة" ، حيث قدّر آنذاك بأننا مقبلون على العصر الذي نعيش فيه عصر الصورة، وقد تبعه على ذلك الناقد والمحلل السيميائي رولاند بارت (Roland Barthes) في مقالته المشهورة "بلاغة الصورة، عام 1964، بأننا نعيش حضارة الصورة، بالرغم من التحفظات التي أبداها بارت بشأن النعت الجديد بالنسبة إليه، حيث أن حضارة الكلمة هي التي لا تزال تهيمن أمام زحف العولمة البصرية، ما دامت الصورة عينها تشكل نسقًا سيميائيًا، لا يمكن أن يدل أو يخلق دلالات تواصلية إلا من خلال البعد اللساني، فالصورة عاجزة عن أن تقول كل شيء حال غياب العلامات اللسانية (Sign linguistic) لأن معانيها عائمة متعدّدة، والتواصل لا يمكن أن يتم من اللاشيء.


    ولهذا من الصعب أن يكون للصورة رسالة واحدة في دلالاتها، بل يمكن أن تؤدي إلا مدلولات متعدّدة حينًا، وقد تكون متناقضة أو متضادة حينًا آخرًا، وذلك نظرًا لحجم ما تُلقيه عند المتلقّي أو المشاهد، ومدى ما تحرك من إدراك أو تخيُّل، أو إثارة وجدان ومشاعر وأحاسيس، وبحسب ما يختزن المتلقي من مدركات معرفية، وقدرات تخيلية، وأحاسيس وجدانية، لكن حتمًا تؤدي إلى إيصال رسالة تحمل مضامين متعدّدة، تؤثر في المتلقي أو المشاهد. ولهذا يعبر فرونسوا مورو بأنَّ "لفظة صورة من الألفاظ التي يجب على دارس الأسلوب أن يستخدمها بحذر وفطنة خاصين فهي لفظة غامضة وغير دقيقة معًا، غامضة لأنها يمكن أن تُفهم بمعنى عام، غائم، وواسع جدًا وبمعنى أسلوب صرف، وغير دقيقة لأن استخدامها حتى في المجال المحدد للبلاغة وتعريفه بالغ السوء" ، والصورة "تتطلب نمطًا من الإدراك يتجاوز الإدراك المنطقي لاستكشاف أغوار تلك الحقائق" ، ومن هنا كان للصورة دورًا في العملية التعليمية، لكون هذه العملية تهدف إلى إيصال مجموعة من المضامين المعرفية والوجدانية والمهارية والسلوكية إلى المتعلم، أو تهدف إلى إثارة تلك المخزونات المركوزة لديه، والمفطور عليها.  
  والصورة التعليمية تُشَكّل مشهديّة محسوسة، ومرئيّة، ظاهرة ومدركة بالبصر، وتمتاز عن الصور الأدبية والبلاغية، التي لا ينحصر فيها التخيُّل، والأولى(الصورة المرئية) وإن كانت قابلة لاثارة التخيُّل لدى المشاهد، إلا أنها أقل من الصور الأدبية والبلاغية، التي يمكن أن تستخدم في أسلوب الخطاب والسرد، والشعر والنظم، أما الصورة البصرية فهي صورة سيميائية وأيقونية بشكل كبير يتداخل فيها الحس والمحسوس والدال والمدلول، وتمتاز بالواقعية والعيان، فالصور موجودة أمامنا مثل الطبيعة والمنازل والأشياء الموجودة داخل المنازل، وأيضًا الحيوانات وغيرها من الكائنات والأشكال والألوان والخطوط والظلال والنقاط والهيئات... وبشكل أوضح الصورة المرئية هي صورة حسية تخاطب البصر أكثر مما تخاطب الحواس الأخرى.
   فالصورة أسرع مرورًا للعين من اللغة التي تمر إلى الأذن، حيث يحتاج الدماغ فيها إلى مثير مرئي لتفكيك معناها، وهي -بمحتواها المعرفي أو العلمي- تعمل على إثارة العصب البصري، والسبب وجود مؤثرات من ألوان وأشكال تتكرر في حدقة العين، فتثير لديها حاسة الإبصار.
ولهذا عُدت الصورة أكثر تعبيرًا وتوضيحًا من الكلمات اللغوية في توضيح الكثير من الأفكار، ودخلت كعامل أساس في الأساليب والطرق والاستراتيجيات التعليمية، فضلاً عن المحتويات التعليمية، من كتب، ومقاطع تصويرية(فيديو)، ومنشورات، وبطاقات تعليمية، وخرائط،..إلخ. بل قد يعدها البعض أكثر تأثيرًا في إيصال الفكرة، وفي بعض الموارد تكون صورة واحدة تغني عن نص كامل من الكلمات، نعم، لا يمكننا القول بأنها دائمًا أكثر تأثيرًا من الكلمة، لأن هناك أفكار معرفية فلسفية أعلى من أن تكون ذات جانب بياني صوري، تجسيدي، بل صورته ذهنية فوق مشهدية.
   ولشدة التأثير الذي تقوم به الصورة، في الوعي والفكر البشري، تعتبر الوسائل الإعلامية المرئية أكثر تأثيرًا من غيرها ، في إيصال الرسالة أو الخبر إلى الجمهور، وتلجأ هذه الوسائل الإعلامية إلى توظيف الصورة في عملية التواصل ونقل الخبر، بل في صناعتها، وإبداع مشهديتها الجاذبة، للتأثير أكثر في وعي المتلقي أو المتابع، بل يمكن أن تخلق عالمًا أو حدثًا خياليًا كاذبًا .

    وعليه، فقد اتضح لدينا مما تقدم، أن الصورة تلعب دورًا رياديًا كبيرًا في نقل المعلومة، أو إثارة العاطفة، لدى المتلقي، سواء في العملية التعليمية والتربوية، أو في المجال الإعلامي، أو في المجالات المختلفة التي تتضمن عملية اتصال وتواصل بين البشر، وهذا ما على مخططي للمنهج التربوي أخذه بعين الاعتبار في مختلف مناحي بناء وتصميم المنهج، وإعداد محتواه التعليمي، وعلى مستوى كتبه التعليمية، وملحقاته، من منشورات وإصدارات داعمة، ومراعاة الجوانب الفنية المتعددة لها، من ألوان، وخطوط، ورسوم، وأبعاد، وأشكال، والتركيز على الألوان المثيرة والجاذبة للانتباه، والممؤثرة في إيصال الرسالة التعليمية، بحيث يصبح البعد الجمالي فيها مندمجًا بالمحتوى التربوي، أو التعليمي. علمًا أن البعد الجمالي يمكن اعتباره جانبًا تربويًا خاصًا، يعزز لدى المتربي الحس الذوقي والفني، التي تحرك مشاعره ووجدانه.  
فالصورة التعليمية كما أنها تفيد ومؤثرة في عملية استحضار المعاني، كذلك تساعد بعرض وفهم دقيق وسريع للكلمات، من جهة، ومن جهة أخرى فإنّ الكلمة تساعد في رسم الصورة والمشهدية البيانية في ذهن القارئ أو المتلقي، وهذه العلاقة الجدلية بين الصورة والكلمة لا تُعين المتعلم على الفهم فحسب، بل تُسهّل عليه عملية الحفظ أيضًا، ومن ثم تساعده على عملية التذكر والاسترجاع، ومن بعدها الوصول إلى مرحلة الإدراك، كما يمكن أن ترتقي به إلى المراحل الأكثر تعقيدًا في العملية الإدراكية والمعرفية، حيث يمكن أن تساعد في عملية التحليل، ومن ثم فالمتعلم (أو المتربي) يتعلم ويدرك حين يرتاح إلى الصورة المرئية، أكثر مما يرتاح إلى درس جاف خال من مثيرات بصرية وحسيّة، وهذا هو الدور التربوي والتوجيهي الذي تحقِّقه الصورة، سواء كان ذلك في قصة أو في كلمة.
إلا أن تلك العلاقة بين العملية التعليمة والصورة، يشوبها بعض الضعف أحيانًا، كما لو كان هناك ضعف في التكامل بين مضامين المادة التعليمية، والبيئة التعليميّة بالمتعلّم، فمن السمات العامَّة للكتاب المدرسي هو تحقيق التكامل والانسجام بين مضمونه ومحتواه مع بيئة ومحيط المتعلّم، وهو ما قد نجده عكس ذلك في بعض الكتب، مثل لو تحدثنا عن في درسٍ عن آدب الطعام، وجئنا بمجموعة من الصور التي نشاهد فيها أطفالاً ليسوا من البيئة المعاشة للمتعلم، لا من حيث الشكل ولا من حيث البيئة الاجتماعية، أو تلك السفرة من الطعام تحمل أنواعًا ليس من الأصناف التي اعتادها للمتعلم، أو أن البيت الذي يسكنه ذلك المتعلم يبعد عن شكل البيت الذي يعيشه، أو شكل الهندام والألوان التي يرتديها، أو قصة الشعر، وغيرها من الجوانب التي تبعد المتعلم عن واقعه وبيئته التي يعيش فيها .


2.الصورة والنظريات العلمية:
   تعدّدت المقاربات النظريّة التي تفسر أو تعالج كيفية تفاعل المتلقي أو المشاهد مع الصورة، وكيف يمكن أن تحدث هذه الصورة من آثار في ذهن أو وجدان المتلقي، وسبب هذا التعدد عائد في الأغلب إلى اختلاف المشارب المنهجيات العلمية والنفسية التي يرتكزون عليها، حيث يمكن تلخيص لبعض هذه النظريات وفقًا للتالي:

  1.  الاتجاه الحسي التجريبي، الذي اعتمد على نظرية أن المعرفة متأتية من الحس فقط، وهي فلسفة جون لوك، ودايفد هيوم، والقائمة على المنهج التجريبي، حيث ذهبت إلى اعتبار أن هناك ترابط بين الإحساس البصري بالصورة، وبين المعرفة. وقد استطاع فرانسيس جالتون تقديم مساهمة فعالة في هذا الشأن ، حيث بلور طرقًا إحصائية واختبارات مختلفة، تمكن من خلالها قياس قدرة الفرد على اختزان وحفظ الصورة، وإعادة استحضارها .
    كما كان لاختبار روشاخ  اهتمامات بالغة بالصورة، دفعت علماء النفس إلى إعادة النظر في الكثير من الاتجاهات التشخيصية.
    وتعكس الصورة-كما يقول غاستون ميالاريه-للمشاهد(متعلمًا كان، أو شخصًا عاديًا) رؤية متكاملة وشاملة عن الواقع، أكثر غنى بكثير من جميع الوصف ، ولا يُخفى علينا هنا أن نشير إلى مسألة، أن العلماء المسلمين قد برعوا في علم الفراسة، وألفوا فيه كتبًا عديدة ، وهذا العلم الذي يقوم على استكشاف السمات والخصال الأخلاقية وسجايا وطبع الإنسان، من خلال النظر إلى شكله وصورته الخارجية، من الوجه، وشكل الرأس، والكفين، وغير ذلك، وهذه المعرفة معرفة تشخيصية تمهد لكيفية التعامل مع هذه الشخصية، أي أن علم الفراسة يدخل في علم النفس وعلم دراسة وتحليل الشخصية.
    أما بياجيه فقد تحدث في أبحاثه عن أن للصورة نوعان، منها: صور مُنتَجة، وصور توقعيّة، فالصور المنتجة هي الصور التي يستحضر الفرد بواسطتها أشياء وأحداث معروفة سالفًا، وسبق له أن أدركها، أما الصور التوقعيّة فهي تلك الصور التي لا تستند إلى ما سبق، بل إلى الخيال عن طريق توقّع أحداث ووقائع لم يسبق للفرد رؤيتها وإدراكها من قبل، والصورة عنده (بياجيه) ليست امتدادًا للإدراك، بل هي عملية ذهنية مرتبطة بنشاطات ذهنية. وهذا التصور هو ما يميز الاتجاه المعرفي عمومًا عن باقي الاتجاهات الأخرى في تصورها للإدراك الإنساني  .

  2. الاتجاه الثاني المعتمد على النظرية الجشتالطية  الألمانية؛ التي تقول بأن هناك مجموعة من القوانين التي تحكم الإدراك الإنساني للصورة، أو لأي مشهد خارجي آخر، حيث يقلل روادها من دور الثقافة والانتباه في الوظيفة الإدراكية، ويرون أن الصور والعالم يفرضان بنياتهما على الذات الناظرة المتأملة، ويذهبون كذلك إلى أن إدراك صورة ما هو إدراك مباشر وحدسي، ويطلقون على ذلك معنى الاستبصار، حيث أن الذات العارفة تدرك الشكل كمجموعة ووحدة إدراكية، لا انفصال بين مكوناتها وعناصرها، وهذا الإدراك الاستبصاري يحدث فجأة لدى المتعلم.
    وقد قدمت النظرية الجشتالطية مجموعة من ستة قوانين لإدراك الصورة(قانون الشكل والأرضية، قانون التقارب، قانون التشابه، قانون الاتصال، قانون الشمول، قانون التماثل، وقانون الإغلاق)، وهذه القوانين مهمة جدًا في عملية الإدراك، التي يمكن أن تكون هي نفسه عملية التعلم والمعرفة ، حيث تتحول عملية إدراك الصورة من معرفة جزئياتها للوصول إلى معرفة كلية، إلى عملية إدراك الكلي للصورة كمدخل لمعرفة جزئياتها.

  3. الاتجاه الثالث: القائم على النظرية الارتباطية أو الإشراطية، الذي توصل إليه بافلوف ، العالم الروسي، نتيجة أبحاثه التجريبية، والتي تفيد بأنّ كلّما كان هناك مثير خارجي، يصاحبه تعزيز، كلّما كانت هناك تأثيرات لدى المتعلم، بحيث يمكن أن يقرن المتعلم ذلك المثير ويقوم بتعميم النتيجة والاستجابة ، خاصة مع تكرر التجربة التي تقدم المثير، وفي بحثنا هذا يمكن أن تصبح الصورة إحدى المثيرات لاستجابة خاصة لدى المتعلم، خاصة عندما يكون هناك تعزيز ما.

  4. الاتجاه الرابع: الإدراك عند المسلمين، هذا الاتجاه مبني على البعد المعرفي أو فلسفة المعرفة في الإسلام، إذ أن للإنسان -كمخلوق رباني- القدرة على المعرفة، وأن هذه المعرفة على نحوين: إما أن تكون معرفة حضورية، لا يحتاج الإنسان لأي وسائط معرفية لتحصيلها كعلم الإنسان نفسه، وتتصف بكونها يقينية، لا يمكن أن يدخلها الظن والخطأ، وإما أن تكون معرفة حصولية، فهي تتوسط مجموعة من الأدوات المعرفية، وبالتالي إمكانية الخطأ موجودة.
    وأدوات المعرفة الحصولية الإنسانية-التي تتوسطها لتخزينها،  واسترجاعها، والتصرف فيها- فهي: الحس، الوهم، العقل، الخيال، الحافظة،  الذاكرة، والمتصرفة.
    والله تعالى عندما خلق الإنسان زوّده بمجموعة من الأدوات المعرفية التي يستطيع من خلالها إدراك الوقائع والكشف عن الحقائق، وأول هذه الأدوات هو الحس، فإن أول رأس مال علوم الإنسان هو تلك المعارف التي يحصل عليها من خلال اتصاله بالعالم الخارجي بواسطة الحواس الظاهرة الخمس: اللامسة، الذائقة، الشّامّة، السامعة، الباصرة، التي تدرك الصور الحسية الجزئية، وكل ما يحصل عليه الإنسان بواسطة تلك الحواس الظاهرة يتم إدراكه بواسطة قوة نفسانية باطنية، يطلق عليها اسم الحس المشترك، ويقوم الإنسان -بعد انقطاع الاتصال المباشر الحسي بين أداة الحس وبين موضوع المعرفة الحسية- بتخزين تلك المعارف التي يحصل عليها، من خلال الحواس في قوة نفسانية يصطلح عليها الفلاسفة المسلمون اسم"الخيال"، فتحفظ فيه الصور المحسوسة بعد غيبتها عن الحس وتبقى مخزّنة فيه، ويكون الإنسان قادراً على استرجاع تلك الصور الحسية المخزّنة في خياله.
    بالإضافة إلى استطاعة الإنسان أن يدرك الصور المحسوسة، يمكنه إدراك المعاني أيضًا، فهو يدرك المعاني الجزئية المشخّصة، غير المحسوسة، القائمة في المحسوس، من خلال قوة اسمها "الوهم"، كادراكه لحب فلان مثلاً، أو خوفه أو بغضه أو...، ثم تقوم النفس بتخزين تلك المعاني الجزئية في قوة نفسانية يصطلح عليها "الحافظة"، ويكون الإنسان قادراً أيضاً على تذكر واسترجاع تلك المعاني الجزئية المخزّنة في الحافظة.
    بالإضافة إلى قدرة الإنسان على إدراك الصور المحسوسة الجزئية، والمعاني الجزئية، لديه قدرة على إدراك المعاني الكلية من تصورات وتصديقات بقوة العقل، فالعقل هو القوة النفسانية التي يستطيع الإنسان بواسطتها إدراك المعاني الكلية، ونقصد بالمعاني الكلية المفاهيم الكلية،
    وتخزين هذه المعاني الكلية يتم في خزانة نفسانية يصطلح عليه بعض الفلاسفة "القدسي".
    وعملية الاسترجاع للصور والمعاني الجزئية والكلية المخزنة في الخيال والحافظة والقدسي وتذكرها، يحصل بواسطة قوة نفسانية يطلق عليها الفلاسفة المسلمون اسم "الذاكرة" .
    وفضلاً عن عملية الإدراك للصور والمعاني، وعملية تخزينها، وعملية استرجاعها وتذكرها، يمتلك الإنسان قوة نفسانية رابعة تسمى "المتصرفة"، تمنحه القدرة على التصرف في كل الصور والمعاني المخزونة عنده.
    ومن خلال هذا يتبين لنا أن المعرفة والتعلم عند المسلمين وإدراك الإنسان للإمور لا تحصل من باب واحد وقناة واحدة، وأما إدراك الصورة(مثلاً) المحسوسة فهو لا يتأتى إلا عبر الباصرة، وعملية الإدراك هذه يمكن أن يشوبها الخطأ، فهي ظنية احتمالية، وليست يقينية.

وبناء على ما تقدم؛ فإن الصورة لها دور في إدراك ومعرفة الإنسان لا يمكن تجاوزه، وكل مكوّن من مكونات هذه الصورة، وجزئياتها، لا يمكن إغفاله؛ لما له من تأثير على المتلقي، أو المتعلم في العملية التعليمية، وبالتالي؛ تصبح الصورة مساحة واسعة للتعلم والتأثير، في ذهن وعقل، ونفس المتعلم، لا بد من دراية كل مكوناتها وجعلها ضمن الاطار المقصود والهادف في التعليم، سواء هذا المقصود كان بينًا واضحًا، أو مستورًا خفيًا، وحينما نريد توظيفها في الكتاب التعليمي، أو أي ملحقات وإصدرات أخرى للمنج، لا بد وأن تكون وظيفة متكاملة، ومدروسة، ومقصودة، تأخذ بعين الاعتبار كل الرسائل المضمونية، التي تلقيها على المتعلمين، أو توجدها لديهم، من معانٍ، ومعارف، واتجاهات، ومواقف، أو تعمل على تغييرها، أو تبديلها، نحو هدف محدد.

 

المراجع :

  1.  للمزيد من البيان في هذا المجال، راجع: عصر الصورة، شاكر عبد الحميد، سلسلة عالم المعرفة، المجلس الثقافي للفنون والآداب، الكويت، العدد 311، 2008، ص 26.
  2. راجع: عصر الصورة، شاكر عبد الحميد، م.س، ص 3.   
  3.  نقلاً عن: بحث في العلامة المرئية، من أجل بلاغة الصورة، مجموعة مو، ترجمة سمير محمد سعيد، المنظمة العربية للترجمة، مركز دراسات الوحدة العربية.
  4.  فرانسوا مورو، الصورة الأدبية، ترجمة علي نجيب إبراهيم، دار الينابيع، دمشق، 1995، ص19.
  5.  فرانسوا مورو، الصورة الأدبية، م.ن ص64.
  6.  الشميميري، فهد بن عبد الرحمن، التربية الإعلامية، مكتب الملك فهد الوطنية، الرياض-السعودية، ط1، 2010، ص79.
  7.  الشميميري، م.س، ص82.
  8.  كالصورة التي وضِعت في الدرس الثالث، من كتاب التربية الوطنيّة والتنشئة المدنيّة، السنة السابعة من التعليم الأساسي في المنهج التعليمي اللبناني، الكتاب المدرسي الوطني، المناهج الجديدة، الجمهورية اللبنانيّة، وزارة التربية والتعليم العالي، المركز التربوي للبحوث والإنماء، ط13، ت.ط2013م، تحت عنوان (ضمان الحقوق الإقتصاديّة والاجتماعيّة)، "في كتاب هذه المادة للسنة التعلميّة الثامنة صفحة 20، مستند3، والمزيّلة بعبارة مساكن شعبيّة حديثة، حيث أن مقاربة هذا المشهد على الواقع اللبناني غير ملائم، بل منافٍ ومجانب للواقع والحقيقة، ممّا يجعل المتعلم بعيدًا عن المادة ومحتواها، وكذلك في الصفحة رقم 34، من نفس الكتاب، مستند 8، وما تضمّنته من أنّ زوجة رئيس وزراء ألمانيا تساعد معاقًا للتعليم على الكمبيوتر، بحيث لا تشكّل مدخلاً مساعدًا للمتعلّم لكي يعيش مضامين هذه المادة على لمستوى القريب منه، بل العكس من ذلك، فتخلق تباينًا معه، أو في الحد الأدنى أنها لا تشكل دافعًا معنويًا لدى المتعلّمين نحو القيام بهذا الفعل، أو القيمة السلوكيّة، والأخلاقيّة". راجع: كنعان، عباس، التربيةُ الأخلاقيّة وبناء المنهج التعْلِيميّ في لبنان، (مادة التربيَّة الوطنيَّة والتنشئة المدنيَّة للحلقة الثالثة من التعليم الأساسي أنموذجًا)، أطروحة أعدت لنيل شهادة الدكتوراه في التربية-المناهج التربوية، عام 2016م، ص202.
  9. راجع: عبد المجيد العابد، السبت ٣١ تشرين الأول (أكتوبر) ٢٠٠٩،www.agewar.org  
  10. هارون روشاخ، عالم نفس، تحليلي، سويسري، أعد مقياسًا خاصًا لتحليل الشخصية، من خلال مجموعة من الصور، ويعد من الأقيسة الشخصية الاسقاطية، لا يزال رائجًا إلى الآن. 
  11. ميالاريه، غاستون، علم النفس التربوي، تعريب: رباب العابد، المؤسسة الجامعية للنشر مجد، بيروت، ط1، 2009، ص72.
  12.  كتاب الفراسة لفخر الدين الرازي.
  13.  راجع: الابستمولوجيا التكوينية، جان بياجيه، ترجمة د. السيد نفادي، دار التكوين، سوريا-دمشق، ط2004، ص33 وما بعدها، وراجع: التعلم ونظرياته، أيوب دخل الله، نشر دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، ت.ط2015، ص.ص 211-212.
  14.  الجشتالطية كلمة ألمانية، تعني شكل(Shape) أو صورة  (form)، أو صيغة أو نمط(Pattern)، التعلم ونظرياته، م.ن، ص198.
  15.  التعلم ونظرياته، م.ن، 201 وما بعدها.
  16.  التعلم ونظرياته، م.س، ص 147.
  17.  التعلم ونظرياته، م.س، ص 157.
  18.  نشير إلى أن علماء النفس المعاصرين يقسمون ذاكرة الإنسان إلى الذاكرة القصيرة المدى، أي تلك المعلومات التي يخزنها الدماغ وسرعان ما ينساها الإنسان بحيث لا يقدر على استرجاعها واستعادتها على المدى البعيد، وإلى الذاكرة البعيدة المدى، وهي تلك المعلومات التي يخزنها الدماغ ويحتفظ بها بنحو يستطيع الإنسان أن يتذكرها حتى بعد زمان طويل.
     

أضيف بتاريخ :2019/05/17 - آخر تحديث : 2019/05/17 - عدد قراءات المقال : 521