الى الاعلى

الدور القيادي لمديري المدارس الرسمية (دراسة ميدانية)



الدور القيادي لمديري المدارس الرسمية 
(دراسة ميدانية)


إعداد: سحر علي باشا*

   المدرسة اللبنانية، مؤسسة إجتماعية بنوعيها الرسمي والخاص تحتاج إلى إدارة لضبط النظام فيها، وتحتاج أيضاً إلى قيادة تكون مسؤولة عن توجيهها لمواكبة في ظل التغيرات والتطورات في الميدان التربوي. كما تلعب الأبحاث والدراسات الأكاديمية دوراً ريادياً في الكشف عن المشكلات الإجتماعية وتسليط الضوء عليها، وتنير للمؤسسات موضوع الدراسة درب التغيير والتطور.
وكما كل المؤسسات، لا يمكن أن تقوم المدرسة بوظيفتها دون نظام إداري يرعى شؤونها، ودون إدارة تكون مسؤولة عن تطبيق النظم والإلتزام بها. ولكن، هل يمكن اختصار المؤسسة بالنظام؟

  مع أهمية النظام وضرورته إلا أنه يحتاج إلى من يكون مسؤولاً عن إدارة هذا النظام وعلى حل المشكلات التي تعترضه، والعمل على تطوير المؤسسة وقيادتها نحو الأفضل. من هنا جاءت التسمية التي أُطلقت على مدير المؤسسة كونه قائداً، ويكاد مفهوم القيادة يكون مرادفاً لمفهومي التطوير والتغيير.

إن دراسة دور المدير القيادي في المدرسة يسلط الضوء على هذا الدور فيحدده ويوضحه، ويدعو مديري المدارس للإقتداء به، الأمر الذي قد يساعد في تحسين دور مدير المدرسة في قيادته لمؤسسته والتصدي للمشكلات التي تعترضها وبخاصة المدرسة الرسمية التي تعاني الكثير من المشكلات وكشف جوانب الضعف في أداء المديرين فيها، واقتراح الحلول المناسبة لها والمساهمة في تطوير العملية التعليمية التعلمية.
  كما أدّى تطوّر الفكر التربوي والإداري إلى تغيّر مفهوم الإدارة المدرسية، فلم تعد عملية تقليدية روتينية فقط، ولم يعد هدف المدير المحافظة على النظام والتحقق من سير المدرسة، بل تعدّاه إلى أن أصبح عملية إنسانية تهدف إلى تطوير نظام العمل في المدرسة وتوفير الإمكانات البشرية التي تساعد على توجيه النمو العقلي والجسدي والروحي للتلاميذ، وإلى تطوير المناهج الدراسية، وتنمية المعلمين مهنيًا، وتنظيم العلاقة بين المدرسة والمجتمع المحلي.

  ومدير المدرسة حسب مفهوم الإدارة الحديثة، هو ركيزة العملية التعليمية، وهو القائد القادر على تفعيل التطوير والإبداع والمشاركة، وتوفير برامج تدريبية لرفع الكفاءات ولتجويد الأداء.

ومن الملاحظ عن طريق العمل في الإدارة المدرسية، أن هناك تعارضًا بين توجه القيادة المدرسية في تحسين العمليات الإدارية والتربوية والتعليمية، وما زال مفهوم القيادة لدى مديري المدارس ومديراتها معتمدًا على الأسلوب التسلطي، واتخاذ القرارات بشكل منفرد.

  إن القيادة المدرسية كعملية اجتماعية ترتبط في جانب منها بسلوك المدير وتوجيهاته لتحقيق الأهداف الحددة.
فالقيادة الإدارية هي مهارة القائد (المدير) وقدرته على تحويل السلطة الممنوحة له في إدارة الأفراد إلى قوّة جذب وإقناع من شأنها استمالة المرؤوسين ومساندتهم في إطلاق قدراتهم، وقدرته على إقناعهم في العمل نحو تحقيق الأهداف المرجوة بأسلوب لبق قائم على الحوار الموضوعي، والوضوح، واحترام وجهات النظر المختلفة، وذلك لتحقيق أهداف المؤسسة المدرسية من جهة، وإشباع حاجاتهم الشخصية من جهة أخرى، فضلًا عن قدرته في التعامل مع الأفراد، وحثهم على العمل الفريقي المنتج، مع المتابعة المستمرة للتغييرات المتلاحقة للإفادة منها في التطوير والبناء.

الفرق بين المدير والقائد

أمّا الأسئلة الذي يجيب عنها البحث :
  • كيف يقوم مديرو المدارس الرسمية في منطقة الزهراني (قضاء صيدا) بإدارة مدارسهم، وهل يلعبون دور القادة في ذلك؟
  • كيف يعين مدير المدرسة الرسمية؟
  • ما هي صلاحيات المدير في التعليم الرسمي؟
  • ما هي المهمات التي يقوم بها المدير في المدرسة الرسمية؟
  • ما هي معوقات العمل في المدارس الرسمية؟
  • ما هي أهم المشكلات التي تعترض عمل المدير؟
  • ما هو دور الإدارة التربوية في تطوير المدرسة الرسمية؟  
  اعتمد هذا البحث المنهج الوصفي التحليلي، فيصف كيف يتم تعيين مديري المدارس الرسمية ومهامهم وصلاحياتهم، كما يدرس واقع هذه المدارس، ويبين أهم المشكلات التي تعترضها، والسبل التي يواجه فيها المديرون تلك المشكلات، وكيف يتعاملون معها، ومن ثم الطرائق والأساليب التي يقودون فيها مدارسهم نحو التطور والتغيير. لذا، تم إستخدام تقنية المقابلة والإستبيان مع المديرين في المدارس الرسمية ومع مسؤولي الإدارة التربوية  بهدف الحصول على المعلومات والبيانات المتعلقة بالموضوع من ثم تحليلها ومقارنتها وصولاً إلى تأكيد فرضيات البحث أو نفيها. وقد قسّم الإستبيان إلى أربعة أقسام رئيسة:  معلومات عامة عن المدرسة/  معلومات عن مدير المدرسة/ مهام وأدوار المدير/ أسئلة عامة.

   واقتصرت الدراسة على المدارس الرسمية في منطقة الزهراني في قضاء صيدا -جنوب لبنان لعام الدراسي2013-2014. وتكوّن مجتمع الدراسة من جميع مديري ومديرات المدارس الرسمية وعددهم 19 مدرسة، أي 19 مديرًا ومديرة. 

أمّا الفرضيات التي تحققت منها الدراسة: 

الفرضية الأساسية:
  • تختلف درجة ممارسة مديري المدارس الرسمية للمهام والصلاحيات الأمر الذي ينعكس على الدور القيادي الذي يقوم به كل منهما.
الفرضيات الثانوية :
  • تختلف آلية تعيين المدير بين المدارس الرسمية.
  • يجد مدير المدرسة الرسمية صعوبة في القيام بدور قيادي وذلك لغياب التأهيل والإعداد المسبق للمديرين.
  • هناك معوقات كثيرة للعمل في المدارس الرسمية ومنها :
        معوقات إدارية/ معوقات تربوية/ معوقات مادية/ معوقات سياسية/ معوقات من الإدارة التربوية/ معوقات من المجتمع المحلي
  • تلعب الإدارة التربوية عاملاً مهما في تفعيل العمل في المدرسة الرسمية من خلال السياسات التربوية التي تضعها السلطة السياسية.
  
 بعد إنجاز هذه الدراسة الميدانية عن الدور القيادي لمدير المدرسة الرسمية في منطقة الزهراني فيما يلي النتائج التي توصلت إليها :

  1. يعيّن مدير المدرسة الرسمية في منطقة الزهراني بدون أي إعداد مسبق، وهذا الأمر ينطبق على جميع المناطق اللبنانية، حيث إن الشرط الوحيد المطلوب لتعيين شخص ما في منصب مدير مدرسة رسمية هو أن يكون هذا الشخص من ملاك الهيئة التعليمية وقد مضى خمس سنوات على دخوله ملاك التعليم، حيث لا يأخذ بعين الإعتبار صاحب الشهادة العليا أو الأكثر خبرةً في التعليم أو في الإدارة ، إنما لمن يمتلك علاقات عامة ومعارف سياسية ومرضى عنه من المجتمع المحلّي. إننا نتقدم بإقتراح إلى السلطات المسؤولة أن تعتمد في ذلك سياسة تربوية واضحة، تعزز دور كلية التربية في إعداد المديرين قبل تسلّمهم لأي مهام إدارية من جهة، ومن جهة ثانية تفرض إلزامية حضور الدورات التدرريبية التي تقيمها الإدارة المركزية من أجل تعزيز قدرات المدير وتطوره المستمر. 
  2. أما بالنسبة لصلاحيات المدير في التعليم الرسمي فهي محددة في النظام الداخلي للمدارس الرسمية. وقد إشتكى جميع مديري المدارس من محدودية صلاحياتهم وعدم إمتلاكهم لصلاحيات تمكّنهم بالرقيّ بمدارسهم نحو مزيد من التقدم، لذا نقترح إعادة النظر بالنظام الداخلي للمدارس الرسمية وتشريع قوانين تعطي لمدير المدرسة الرسمية صلاحيات واسعة تمكّنه من القيام بدور ريادي، على أن يكون قد أُعدّ مُسبقاً في كلية التربية، لكي لا يُعيّن مدير لا يمتلك مؤهلات وقدرات علمية بصلاحيات واسعة . 
  3. تبين للباحثة من خلال الدراسة الميدانية التي قامت بها، أن معظم مديري المدارس الرسمية يجدون صعوبة بالغة في القيام بدور قيادي، حتى أن بعضهم لا يراعي الأصول والقواعد والمبادئ الأساسية للقيادة التربوية، وهذا ما ينعكس سلباً على الإدارة التربوية في لبنان وبالتالي يكون عاملاً سلبياً على المدارس الرسمية التي هي الملاذ الأخير للفقراء وذوي أصحاب الدخل المحدود .
  4. ومن أجل تمكين المدير في المدرسة الرسمية من لعب دور قيادي نقترح تطبيق القواعد والإجراءات التالية :
  • تركيز مهام عمل مدير المدرسة على تطوير وتجديد العمل التربوي وايكال الأعمال الروتينية والتنفيذية لمساعديه من نظّار ومنسقين على أن تبقى تحت إشرافه.
  • التركيز على المهام القيادية للمدير والعمل على تنميتها وتطويرها : 
  1. إدارة شؤون التعليم والمنهج.
  2. التطوير المهني للهيئة التعليمية.
  3. خدمات شؤون الطلاب.
  4. تعزيز العلاقات  بين المدرسة والمجتمع المحلي .
  5. عدم تعيين المديرين قبل خضوعهم لإعداد مسبق وكافٍ ومتابعتهم لدورات تدريبية مستمرة تتناول المفاهيم والأساليب التربوية والأساليب الإدارية، ومن المهم بمكان أن يحوز المدير ثقافة كافية في المجالات (التخطيط، الأهداف، المناهج، طرق التواصل،، التقويم، العلاقات العامة، وصنع القرار)
  6. تحديث المراسيم التي لها علاقة بكفاءة مدير المدرسة كأن يشترط على مدير أي مدرسة أكانت رسمية أو خاصة، أن يكون حائزاً على شهادة تعليمة  في إحدى الإختصاصات التربوية ( يستحسن في الإدارة التربوية).

هناك العديد من المعوقات للعمل في المدارس الرسمية :
  • قسم كبير من المباني المدرسية غير ملائم من حيث الموقع الجغرافي ، كما يوجد العديد من الأبنية المدرسية القديمة العهد والتي تفتقد إلى الكثير من المرافق والملاعب والقاعات الضرورية لقيام المدرسة بالنشاطات اللاصفية.
  • نقص عام في التجهيزات والوسائل التربوية والمختبرات والمشاغل الفنية والمكتبات والتجهيزات الرياضية وأجهزة الكمبيوتر التي تتطلب المنهجية الجديدة إستعمالها.
  • ضعف التنسيق بين الأهل والإدارة ، وعدم وجود تعاون بين مؤسسات المجتمع المحلّي وأكثرية المدارس الرسمية.
  • كبر سنّ العديد من أفراد الهيئة التعليمية ، والنقص في تدريب المعلّمين (الملاك والمتعاقدين) على إستعمال الوسائل التربوية ، وتفاوت كبير في توزيع المعلّمين على المدارس: فمدارس تعاني من تخمة ومدارس أخرى تعاني من نقص، وبعض المديرين يعاني من قلّة إنضباط المعلّمين وعدم إهتمامهم بشؤون طلاّبهم بسبب عدم تطبيق الثواب والعقاب في المدارس الرسمية لكثرة التدخلات وما يسمى " بالواسطات " لمصلحة المعلّمين.
  • إزدواجية القرار والمعاملات بين المنطقة التربوية والإدارة المركزية والتأخر في إصدار القرارات المتعلقة بالمتعاقدين ونقل المعلّمين وإجراء النقل خلال العام الدراسي، وكما الروتين الإداري وتأخر المعاملات.
من أجل النهوض بالمدارس الرسمية وتفعيل دورها وبالتالي حلّ المشكلات التي تعاني منها ،  نقترح إعتماد سياسة تربوية واضحة من قبل الإدارة المركزية، وزيادة موازنات التعليم الرسمي لتحسين العمل في هذه المدارس.

  • تلعب الإدراة التربوية عاملاً مهمّاً في تفعيل العمل في المدارس الرسمية من خلال السياسات التربوية التي تعتمدها السلطات السياسية ، فالمدرسة الرسمية هي مدرسة وطنية بإمتياز على الإدارات الرسمية العمل تقويم الرعاية والعناية بها.

الخاتمة 
  إنّ هذه الدراسة ألقت الضوء على نقاط الضعف من ناحية عدم تمكّن مديري المدارس الرسمية من لعب دور قيادي ، إنطلاقاً من عدم وجود صلاحيات معطاة لهم، وغياب إعدادهم المسبق، وكثرة الأعباء الملقاة على عاتقهم. إذّ بيّنت الدراسة بأن هناك مدارس رسمية بحالة مزرية جدّاً من ناحية البناء المدرسي وعدم صلاحيته كمدرسة، والأخطر من ذلك أن معلّمي ومديري بعض هذه المدارس لا يمتلكون الحد الأدنى من مقوّمات العمل التربوي والعملية التعليمية التعلّمية، وهذا أمر سوف يؤدي في نهاية المطاف إلى فرز طبقات جاهلة في المجتمع تنعدم عندها المعرفة ونعمة العلم. 
لا بد من الإشارة إلى أن بعض المدارس الرسمية في منطقة الدراسة قامت بخطوات جبّارة، رفعت من مستوى التعليم فيها، الأمر الذي جعلها تنافس في نتائجها المدارس الخاصة وهذا يعود بالدرجة الأولى إلى جهد المدير وتضافر جهود المعلّمين الذين بتعاونهم وإنسجامهم أعطوا صورة جميلة عن إمكانية النهوض بالمدرسة الرسمية، وبالدرجة الثانية إلى إهتمام المجتمع المحلّي بهذه المدارس وتأمينه لكافة مستلزماتها.


* سحر باشا : دكتوراه في الجامعة اللبنانية- اختصاص تربية، ماجستير ادارة تربوية الجامعة الإسلامية، تعليم وتنسيق علوم ورياضيات في ثانوية المسار


أضيف بتاريخ :2018/04/12 - آخر تحديث : 2018/04/12 - عدد قراءات المقال : 2019

الكلمات المفتاحية : دراسة تربية مدارس قيادة مدير