الى الاعلى

نحو تربية آمنة



نحو تربية آمنة

الكاتب : علي كريم، مدير مديرية الدراسات الميدانية 

  لا يختلف اثنان بأن تحقيق السعادة الشخصية والأمان النفسي والاستقرار  الاجتماعي لأي فرد هي أُمنيات يتطلع إليها، فيطمح أن تكون عاقبة أموره خيِّرة، ويرفض كل ما يمكن أن يهدّد شخصه أو محيطه؛ والعاقل يدرك بأن الوصول إلى ذلك يحتِّم عليه أن يدفع عنه كل تهديد ليعيش حالة الأمان المرجوّة.
وفي العملية التربوية،  وبالخصوص داخل الأسرة، يتبادر إلى الذهن سؤال مركزي: هل هناك ما يمكن أن يهدّد التربية، لنبحث عن التربية الآمنة؟ 
التربية تمثل العملية التي تتهيأ من خلالها الأرضية والعوامل المناسبة، لأجل تفتّح استعدادات الإنسان وإخراجها من الرؤية والفهم إلى الواقع والفعل في الاتجاه الصحيح، وهذا الأمر يستلزم التحقيق فيما يمكن أن يعيق العملية التربوية عن الوصول إلى هدفها المنشود، والذي يمكن أن يشكّل تهديداً لها. 

هذا التقديم يقود إلى طرح جملة من التساؤلات:
  • ما المقصود بالتهديد في العملية التربوية؟
  • ما هو الذي يمكن أن يهدد التربية؟ 
  • كيف يجب أن يكون التعامل مع التهديد؟
  • هل يمكن أن تتحقق التربية الآمنة واقعاً؟

  لعل الإجابة على هذه الأسئلة يمكنها أن تسلط الضوء على جانب هام من العملية التربوية، ويحتاج هذا التسليط إلى تتبع منهجي هادف.
 وبالعودة إلى الأسئلة أعلاه، وللإجابة على السؤال الأول، ما المقصود بالتهديد في العملية التربوية ؟ 

إن التهديد بالمعنى العام يطال الإنذار أو الوعيد، والذي يمكن أن يشكِّل خطراً في مسار حركة ما، فيعيقها عن الوصول إلى مبتغاها؛ وعندما يحضر هذا المفهوم في العملية التربوية، فإنه يعيق كل ما يمكن أن تتحقق أهداف التربية من خلاله. فإذا كان الهدف من التربية هو صناعة المتربي وفق المباني والقواعد والأصول والحدود المعتمدة، فإن التهديد قد يطال إحدى هذه العناوين، ويُبطل مفعولها، فتتعطل أهداف العملية التربوية، فلا يمكن الوصول بالمتربي إلى حيث المفترض من تلك العملية.
ولكن، كيف يمكن أن يحصل ذلك؟
  للإجابة على هذا السؤال، لا بد من تحديد مظاهر التهديد، وهذا يقود إلى طرح السؤال الثاني، ما هو الذي يمكن أن يهدد التربية؟

إن كل ما يمكن أن يعيق العملية التربوية عن بلوغ أهدافها، يشكل تهديداً، ومنها:
1.الجهل بالتربية نفسها:  ليس المقصود من الحديث هنا هو المعرفة العلمية التخصصية، بل إن الأمر يتعلق بعموم التربية، أي أصل وجودها وأهميتها وضرورتها، وتوفير ما يمكن أن يساعد على تحققها. وبعبارة أوضح، فإن من يريد تحقيق مكانة أو مستوى أو شأن لدى المتربي فعليه أن يجعل من التربية سبيلاً إلى ذلك، فلا يمكن صناعة الشخصية المتوازنة والفاعلة والمنتجة والمؤثرة والمتكيّفة مع بيئتها ومحيطها ... إلخ، دون تربية حقيقية منظّمة. 
2.سوء أساليب التربية: البعض يعرف التربية، ويعرف بأنها السبيل إلى صناعة المتربي، ولكن يسيء بالأساليب، فلا يُدرك خطورة بعض الأفعال التي تكون بقصد خلفية التربية، ولكنها تؤتي عكس نتائجها. إذ يتصرف الكثير من الأهل في بعض الأحيان بأسلوب فظ مع أبنائهم، من قبيل الإهانة أو التحقير أو الاستخفاف أو العنف (على اختلاف أشكاله) وحين سؤالهم عن سبب القيام بذلك، يجيبون بأنهم يربّون أبناءهم!.
3.فقدان النموذج القدوة: صغار السن بالمجمل يقلدون الأكبر منهم، ويرون كل من يتصدى لشأنهم بأنه أنموذجاً يُحتذى به، فإذا لم يدرك الأهل عموماً بأنهم في موقع الرصد الدائم من قبل أبنائهم، فإن عليهم توقع الانعكاس لما يقومون به سريعاً في سلوك هؤلاء الأبناء.
4.الاستخفاف بشركاء التربية: الكل يعلم بأن مسألة التربية لم تعد محصورة اليوم في الإطار الأسري، فهناك شركاء متعددون للأسرة في العملية التربوية، فالمدرسة والأصدقاء ومكان السكن ووسائل الإعلام (المرئي والإلكتروني خاصة) وعموم البيئة من حول الأبناء لها حصتها في ذلك، وبمقدار ما يكون الوعي الأسري متقدِّم على هذا الصعيد، بقدر ما يَحسُن التعامل مع مجمل هؤلاء الشركاء. فالحدود المرسومة والضوابط الحاكمة في التعامل مع كل منها بات اليوم من الأولويات في صيانة العملية التربوية.
5.ضعف المواكبة:  تحتاج العملية التربوية إلى مواكبة حثيثة، ورصد لمختلف المتغيرات الطارئة، إذ يصعب أن تستقيم التربية مع الإهمال أو الغياب عن الحضور المباشر أو التعامي عن الأخطاء والتجاوزات أو عدم التشارك في أنشطة وبرامج عائلية تكسب الابن الثقة بحضور ومواكبة الوالدين له.
... وغيرها من التهديدات التي يجب أن تتصدر مشهد البحث عن التربية الآمنة.

ولكن ماذا يمكن أن نفعل؟ 

  البحث عن الإجابة تنطلق من خلال الإجابة على السؤال الثالث: كيف يجب أن يكون التعامل مع التهديد؟

من البديهي أن التعامل هنا يجب أن ينطلق من معرفة التهديد نفسه، لكي يتم دفعه ما أمكن، وما مرّ من تهديدات -وباختصار- تحتاج إلى:
1.معرفة التربية ومؤداها وكيف يمكن أن تُبنى بالشكل السليم.
2.حسن توظيف التربية فهماً وعملاً، لا أن تتناقض ما بين الهدف الضمني والسلوك الخارجي.
3.تربية النفس لتكون قدوة صالحة ونموذج يُحتذى به.
4.إيلاء كل شريك من شركاء التربية الأهمية اللازمة، ومعرفة مستوى تأثيرها على المتربي.
5.المواكبة الحثيثة وإيجاد فرص التواصل الدائم والفعّال سواء في حال الحضور أو الغياب.
.... وغيرها.

  ويبقى السؤال الأخير، الذي يُجمل عموم الموضوع، وهو السؤال الرابع: هل يمكن أن تتحقق التربية الآمنة واقعاً؟

إن الأخذ بما تقدّم لكفيل بتحقيق درجة أعلى من الأمان التربوي، وإن لم يكن الأمان المطلق، أو بحده الأدنى يمكن أن يضع العملية التربوية داخل الأسرة على سكة آمنة تحتاج معها إلى نية خالصة وجهد صادق ورسالية عالية، لأن التعامل في هذه المواضع لا ينفك عن روحية المباشِر لها، فهي ليست عملية ميكانيكية، بل إنها السعي لصناعة الإنسان الكامل.

  في الخلاصة، ما تقدَّم ليس سوى تمهيد لنقاش مطوّل وبحث واسع، يكاد كل تهديد مع المعالجة اللازمة له أن تكون محوراً مستقلاً بذاته، ولكن ما لا يُدرك كلُّه - في هذا العجالة - لا يُترك جلُّه. 

أضيف بتاريخ :2018/03/05 - آخر تحديث : 2018/03/05 - عدد قراءات المقال : 1449