الى الاعلى

ماذا يجب أن أعرف عن التربية؟



ماذا يجب أن أعرف عن التربية؟

لعلها من الأسئلة الأكثر طرحاً اليوم في عالم الأسرة عندما تتخذ القرار بتربية أبنائها، لأن التربية تحتاج حقاً إلى قرار مسبق :
ماذا يجب أن أعرف عن التربية؟
فهل المطلوب هو الجانب التخصصي من علوم التربية؟ أو الإطلاع على النظريات الخاصة بهذا العلم؟ أو قراءة الأبحاث المطوّلة والتجارب التاريخية؟

مع الإقرار بالأهمية البالغة لما يمكن تحصيله حال الإجابة على هذه الأسئلة، إلا أن الأمر هنا يحتاج إلى تقدير للموقف العملي الذي يعايشه كل أب وأم  عند اتخاذ القرار بالتربية. ولعل الإجابة على الأسئلة التالية قد تُسعف بشكل أكبر في الوصول إلى إجابة للسؤال الرئيسي المطروح:

• ما هو هدفي من التربية؟ 
• من سأربي؟
• على ماذا أربي؟
• كيف أربي؟

يبدو للوهلة الأولى أن كل سؤال من هذه الأسئلة قد يحتاج إلى مطوَّلات في الإجابة عليها، وهذا صحيح، ولكن يمكن الإلفات إلى بعض المقدّمات الهامة حول كلٍ منها.

 في الإجابة على السؤال الأول، يتفق المختصون من علماء التربية والاجتماع والنفس، أن تحديد الهدف من التربية سيساعد بشكل كبير على رسم المسار الصحيح لمعرفة المطلوب من التربية. إن الهدف الأساس الذي يمكن أن يطمح إليه أي أب وأم في تربيتهم لأولادهم هو [صناعة الإنسان]، لأن العملية التربوية متوجهة بكامل مقوماتها نحو الفرد المتربي، أي أنني أريد من خلال التربية الوصول إلى تكوين شخصية تمتلك من القيم والسلوك والمبادئ ما يؤهلها لخوض غمار الحياة البشرية وهي متسلحة بما يمكن أن يساعدها على ذلك، ولا غرابة في قول من قال بأن أعظم وأقدس وظيفة يمكن أن يقوم بها أي فرد منا هي صناعة الإنسان، لأن صناعة الإنسان تعني رسم مسار الصلاح له حتى يكون إنساناً حقيقياً يمتلك من الصفات الإنسانية ما يؤهله لصلاح المجتمع من حوله.

ولكن من هو هذا الإنسان؟ ننتقل إلى السؤال الثاني.
إنه الإبن، ثمرة الزواج، وفلذة الكبد، ومصبّ الرعاية، وأمل العون في المستقبل. ولأنه في هذا الموقع، كان لا بد من معرفة خصوصية المرحلة العمرية وتقلباتها، وما تحتاج إليه كل مرحلة من ضروريات للتكيف مع هذه الخصوصيات، ولعل القول المشهور في الحديث "أتركه سبع وأدبه سبع ورافقه سبع"، يؤكد بوجود خصائص عمرية تحتاج إلى حسن معاملة، لتتكامل معها شخصيته، فلا نثقل حيث لا يطيق الولد، ولا نهمل حيث يحتاجنا إلى جانبه. فإبن السنوات الأولى من العمر (1-7 سنوات)  يحتاج إلى اللعب والنشاط والمرح، وإبن المرحلة الثانية (8- 14 سنة) يحتاج إلى التعليم والتأديب والتوجيه، وإبن المرحلة الثالثة (15 -21 سنة) يحتاج إلى الصاحب الذي يشاركه تطلعات عمره ويفتح له أبواب الإنطلاق إلى حيث المسؤولية والتصدي لشؤون الحياة.

ويأتي السؤال الثالث، بتحديد المعيار أو المبنى الذي يمكن أن أربّي عليه.
في هذا السياق، لأن الهدف هو صناعة الإنسان، ولأن الإنسان هو الإبن (ذكراً كان  أم أنثى)، لا بد من اتخاذ منظومة متكاملة تساعد على شق طريق التربية وفق هدي مستقيم، وهذه المنظومة يجب أن ترتكز على أسس متينة، تصاحب الفرد في مختلف تقلبات الحياة، وترسم له الحدود والمسارات في التعامل مع مختلف التحديات. وقد يكون الأمر مُقدّرٌ لك -عزيزي القارئ- في البحث عن المنظومة الأشمل والأوسع والأغنى، ولكنني أدعوك لأن تنظر إلى ما في الرسالة الإسلامية من آداب وتوجيهات وتشريعات، تحثّ بداية على التربية، ثم تنظم هذه العملية، والأهم أنها تربط الإنسان، ليس فقط بنتاج دنيوي مؤقت، بل أيضاً تعدّه لمقام أخروي دائم، سواء للمربي أو المتربي، فالجميل هنا، أن الأبوين لو أخذا بمقدِّمات التربية وفق هذه المنظومة، فإنهما يستثمران الأمر دنيوياً وأخروياً، حتى ولو لم تكن النتائج الدنيوية كما هم يأملون، فإن أداء التكليف مرفوع عنهما بما قاما به.
وبعد الفهم  والتمسك بكل ما تقدّم، يبقى السؤال الرابع والأهم، كيف أربي؟
مع القناعة بأن هدفي هو صناعة الإنسان، وهذا الإنسان هو الإبن، وأن المنظومة المتكاملة هي خير سبيل لذلك، يبقى سؤالي: كيف يمكن التطبيق هنا؟

يرشد أهل الاختصاص في هذا السياق إلى ثلاث قواعد أساسية، وهي:
1.إقرار قواعد في التربية: فالخطوة الأولى لكي أنجح في تربية أبنائي هي إيجاد قواعد حاكمة وضابطة في السلوك والتعامل والتواصل، وتمثل هذه القواعد خطوطاً حمراء، لا استسهال بها ولا تجاوز لحدودها، على أن يكون الأبوان أول المتمثلين بهذه القواعد.

2.تقديم النموذج القدوة: فمهما كانت القواعد التربوية الحاكمة في التربية صارمة (وهذا ليس مطلوباً)، أو معتدلة، أو متساهلة، فإن الوقع الأكبر على الأبناء هو ما يفعله الأبوان، فكيف يمكن لي أن أطلب من ولدي الإلتزام وأن أُخلّ بذلك في مواضع عدة؟، أو كيف ألزمه بسلوك وهو يرى مني خلافه؟. وصدق في هذا الصدد من قال بعبارة مختصرة جامعة وصائبة: "من أراد أن يربي ولده، فليربي نفسه أولاً".

3.المواكبة الدائمة: فمع وجود القواعد، والنموذج القدوة، لا بد من توفير المواكبة الدائمة لسلوك الأبناء، وهنا ليس المقصود المراقبة، فلا أحد يستطيع أن يبقى مع أولاده 24 ساعة في اليوم، ولا حتى نصفها أو ربعها، ولا أحد يستطيع أيضاً أن يضع كاميرات المراقبة في مختلف الأرجاء التي يتواجد فيها أبناؤه، إلا أن المواكبة لمواقف الأبناء، من حيث المتابعة لكل ما يطرأ على الاهتمامات، ويبدر في السلوك، وينتج من ردات الفعل، إذ أنها بالمجمل تعكس تطور شخصية الإبن، وتفرض على الأبوين الحرص على التعامل بذكاء مع كل موقف بحسب متطلباته. إن هذه المواكبة تساعد على الضبط الدائم وفق القواعد وتقديم الذات بالموقع الذي يمكن أن يرى الإبن أن أبويه قدوة له بحق.

ومع هذا كله، لا يمكن إغفال أن عملية التربية مع كل المحددات والإجابات على الأسئلة الأربعة، تحتاج أيضاً إلى توكل على الله جلّ وعلا في بدايتها، والدعاء لله سبحانه وتعالى بالتوفيق لهذه المهمة معها، والرضا بما يمكن أن يقضيه الله عز وجلّ بعدها.

في الخلاصة، فإن ما تقدّم في هذه العجالة، قد يجيب على السؤال المركزي الذي طُرح، حول ما الذي يجب معرفته عن التربية، وإن كان كل جانب مما تقدّم يحتاج إلى تفصيل أكبر وأدقّ، إلا أنها يمكن أن ترسم بداية الطريق في هذا المسار، ليسأل كل منا نفسه لاحقاً: ماذا حققت في هذا المسار؟


الكاتب :  علي كريّم ، مدير مديرية الدراسات الميدانية في مركز الأبحاث والدراسات التربوية 

أضيف بتاريخ :2017/03/01 - آخر تحديث : 2017/03/04 - عدد قراءات المقال : 2759