الى الاعلى

تطوير المناهج والعوامل المؤثِّرة في ذلك




تطوير المناهج والعوامل المؤثِّرة في ذلك




بعد التحوّل الكبير في مجريات الحياة اليوميّة للإنسان، وما فرضته العوْلمة، من سيطرة التقنيّة على الواقع التعليميّ، وسيطرة الاقتصاد على التنميّة، وسيطرة الشبكة الإلكترونيَّة على العلاقات ، وبعد أن "أثبتت تجارب الشعوب التي تنمو أنّها لم تنمُ بالسّياسة والقوّة والسيطرة، بل بالعلم، ومن يمتلكه وبحجم المؤسّسات البحثية والعلمية والتعليميّة. ومن أوّل ما ينبغي الاهتمام به، هو المناهج التعليميّة، وذلك للدور الذي تمارسه في نقل الخبرات، وتوفير التخصُّصات الأساسيّة التي يحتاجها البلد" .

 وعليه؛ فإنَّ تطوير المناهج التربويّة، بما تحمل من عناصر مكوِّنة، ومراحل تصميم وتخطيط وتقويم، ومن أنها "عمليَّة مستمرَّة ليس لها نهاية" ، لها آثار استراتيجية على الحياة البشرية، وعلى التطوّر التاريخي للبشر، خاصة إذا ما كانت تحمل قدرة التغيير على مستوى السلوكيّ، والقيميّ، والأخلاقيّ، الجذري للفرد، وبالتالي للمجتمع، و"إن مسؤولية مناهج التعليم اليوم أخطر من التركيز على المعرفة وجلُّها بالتعليم التقليدي، إن واجبها اليوم أن تتعامل مع سقف المعرفة ولكن بتوظيف اجتماعي تاريخي تنمويّ يأخذ بالحسبان حصانة المواطن وموازنة سلوكاته، وبين الحياة الماديّة والقيم الروحيّة..." ، إنَّ عمليّة تطوير المناهج بما تملك من رغبة في تحسين الناتج العام للعمليّة التربويّة، وتعزيز نقاط القوّة، ومعالجة نقاط الضعف فيه، وبمعنى آخر، هو عمليّة متكاملة للتقدم نحو الأفضل على المستوى التربويّ والتعليميّ العام.

 فعندما أطلقَ الاتحاد السوفياتيّ أوّل قمر اصطناعي له عام 1958م. ساد جوٌ من الاضطراب العام في أمريكا، "واتُهمت المناهج المدرسيّة بالتخلف، وتعالت الصيحات لتطوير تلك المناهج ولم تهدَأ الأمور إلّا عندما تُحقِّق ذلك الغرض" ، فالتحوّل المأمُول والمرتجى على مستوى البنية التربويّة والأخلاقيّة والاجتماعيّة في أيّ بلدٍ من البلدان يعود إلى المناهج التربويّة في تلك البلدان، ولهذا السبب تُعطى المناهج هذا المستوى من الاهتمام الوطني العام، وتوكّل مهمات التخطيط، أو التنظيم، أو التقويم، أو التطوير للمناهج، إلى خيرة أبناء المجتمع ومفكِّريه، ويَؤخذ بالحسبان عند إجراء عمليّة تطوير المناهج التربويّة العديد من المتغيُّرات الثقافيَّة والاجتماعيَّة والعلميَّة والأخلاقيّة في المجتمع ، فضلاً عن التغُّيرات المعرفيَّة المتحصلِّة من الدراسات والأبحاث والتجارب والنتائج العلميّة، التي وصل إليه الجهد البشريّ، في حين أن التغُّير السلوكيّ، والأخلاقيّ لأفرادِ أيّ مجتمعٍ لا بدّ وأن يبدأ بتغيير المفاهيم المعرفيّة السائدة، والقيم الأخلاقيّة الرائجة، بعد دراسة واقع المجتمع والمتغيرات المحيطة به ، فتطوير المنهج، من الناحية الأخلاقيّة، لا بدّ أن يبدأ بالبحث عن الأُسس الأخلاقيّة، والقِيميَّة التي لا بد من اعتمادها أولاً، ثم يَلجأ إلى دراسة الواقع القيَميّ السائد في المجتمع ثانيًا، بعدها يقوم بعملية مقارنة تقيميَّة تقويميَّة للمنهج على ضوء ما تم تحديده من معايير قيميَّة وأُسس منهجيّة، يصار بعدها إلى عمليّة التطوير المنشودة في الجانب القيميّ والأخلاقيّ للمنهج.

 ولا شكَّ أن التحدّيات المعاصرة ، المنبَثِقة عن الواقع المتطوّر بشكل متسارع وهائل للمعارف والعلوم، والتقدُّم على مستوى الإدراكات والفهم البشريّ، والتقدُّم الكبير والهائل على مستوى التقنيَّات الحديثة، لا سيّما وسائل وشبكات التواصل والاتصال، فضلاً عن سيطرة تقنيَّات الميديا Media والوسائط المتعددة Multimedia كوسيلة حيويَّة من وسائل المعرفة المستخدَمة في العمليَّة التربويَّة والتعليميَّة ومناهجِها ، فرضت على أفراد المجتمع واقعًا سلوكيًّا، يحتاج إلى مواكبة ومعالجة  على مستوى التربية القيميِّة والأخلاقيّة، وهو ما لا بد لمخطِّطي ومصمِّمي المناهج التربويّة أن يتكفّلونه ، إن على مستوى الأُسس المختلفة للمناهج، أو على مستوى الأهداف والغايات التربويّة، أو على مستوى الآليات العمليّة والأنشطة، حيث لا بد من إعادة الترابط المطلوب واللازم بين العملية التعليمية-التعلمية السائدة اليوم، وبين العملية التربوية، بما تتضمن من تربية قيمية وأخلاقيّة، حيث لا بد وأن كون هذا الارتباط ارتباطًا وثيقًا وجوهريًا، لأن "العالم اليوم، سواءً الإسلامي أو الغربي، قد أحس بخطورة هذا الانفصال بين التعليم والقيم، وأخذت كثير من الأقلام التربويّة تدعو إلى إعادة الصلة بينهما لما لذلك من تأثير في إعادة بناء الإنسان، فالغرب هو الذي دعا في نهاية القرن19 إلى ضرورة الفصل بين التعليم والدين (بما يحمل من قيم وتعاليم)، بل وصدر مرسوم بذلك في 23 فبراير 1923م، وبصدوره اختفت من البرامج الرسميّة كل الواجبات تجاه الإله، وظلَّت المدرسة مستقلّة عن كل تعليم ديني" ، وبالتالي إنَّ عمليّة تعزيز التربية القيميَّة في المناهج التربويَّة والتعليميَّة لا بدَّ وأن يكون خيارًا استراتيجيًا ومحوريًّا على مستوى البناء التربويّ للإنسان والمجتمع، في سبيل تحقيق حياة أفضل من الواقع الاجتماعي، بكل أبعاده، الذي نعيشه اليوم.


 

المراجع :
  • الزند، وليد خضر، وعبيدات، هاني حتمل: المناهج التعليمية (تصميمها، تنفيذها، تقويمها، تطويرها)، ص453.
  •  المناهج التعليمية، م.ن، ص45.
  • المناهج التعليمية، م.ن،ص 452 .
  • المناهج التعليمية، م.ن، ص.ص455-456.
  •  إبراهيم، مجدى عزيز: موسوعة المناهج التربوية، ص586.
  • موسوعة المناهج التربوية، م.ن، ص597 وما بعدها.
  • موسوعة المناهج التربوية،م.ن، ص591.
  • مكنيل، جون: المنهاج المعاصر في الفكر والفعل، ص686. وأيضًا راجع: إبراهيم، مجدى عزيز: المنهج التربوي وتحديات العصر، ص27.
  •  طعيمة، رشدي أحمد، ومجموعة من المؤلفين: المنهج المدرسي المعاصر(أسسه، بناؤه، تنظيماته، تطويره)، ص369، وكذلك ص377.
  • "لم يكد القرن العشرين ينتصف حتى كان هذا الفصل قد أحدث انعكاسات تربويّة سلبيّة على الواقع التربويّ والأخلاقيّ عند التلاميذ والطلبة في المجتمع الغربي، والشيء الذي دفع [فيليبس كوبس] في كتابه (الأزمة التربويّة العالميّة) للقول:[إنَّ الاضّطراب الثقافي الذي نجم عن الثورات العلميّة والتقنيّة الأخيرة، جعل من التربيّة الأخلاقيّة موضوع اهتمام ودراسة، ففي القرن التاسع عشر كانت هذه التربية تشكل قاعدة البرامج التعليميّة في سائر بلاد أوروبا وأمريكا الشماليّة، ثم إن الطابع القروي كان لا يزال سائدًا، كما أن الحركة العمرانيّة الحديثة لم تكن قد انطلقت بعد، وكانت العلاقات الأسريّة متينة، والاعتقادات والمؤثّرات الدينيّة قويّة...لكنّه ابتداءً من العقد الرابع للقرن العشرين، أيّ 1930م، حصل تغيير جذري في المناخ الاقتصاديّ والسياسيّ والتربويّ، كان من نتائجه أن اعتُبرت التربية الأخلاقيّة أمرًا بائدًا ومنطويًا على مغالطة تاريخيّة، وهكذا تم إهمال هذه التربية من قِبَل المدرِّسين والمشرفين على التعليم"، راجع: الجلاد، ماجد زكي: تعليم القيم وتعلمها (تصور نظري وتطبيقي لطرائق واستراتيجيات تدريس القيم)، ص.ص18-19. 
  • الجلاد، ماجد زكي: تعليم القيم وتعليمها (تصور نظري وتطبيقي لطرائق واستراتيجيات تدريس القيم)،م.ن، ص69 وما بعدها.
  • سلوم، طاهر عبد الكريم، وجمل، محمد جهاد، التربية الأخلاقيَّة (القيم، مناهجها، وطرائق تدريسها)، ص18.