الى الاعلى

تساؤلات حول إعداد المناهج التربوية الجديدة للقرن 21



تساؤلات حول إعداد المناهج التربوية الجديدة للقرن 21

في مشهدية التحوّل المتسارع للقرن 21، تُطرح أمامنا العديد من التساؤلات التي تجعلنا أمام تحديات مفصليّة في عملية التخطيط الاستراتيجي لإعداد المناهج التعليمية والتربوية، في حين أن هذه التساؤلات وليدة عملية مقارنة الواقع التعليمي ضمن المؤسسات التعليمية الحالية ونتاجها العلمي، مع الواقع الاجتماعي المتسارع نتيجة العديد من التغيرات الحداثوية، والعملانية، والثقافة المتوافدة آناً بعد آن.

ثمة هواجس تنتابنا جراء القلق من عدم وضوح الاجابات الشاملة على هذه الأسئلة؛ لكن لا تدفعنا -هذه التساؤلات-إلى الاطاحة بالمباني الفلسفية والاجتماعية والأخلاقية والإنسانية ...، وغيرها من المباني التي يستند إليها، أو التي لابد وأن يَستند إليها مخططو المناهج، حيث تشكل هذه المباني في مجموعها المترابط الفلسفة التربوية والنظرية للمناهج ، بل أن هذه التساؤلات تتمحور حول عملية إعداد المناهج، واستراتيجية بنائها، ونمط التفكير الذي لابد وأن يُتّبع عند الرواد المصممين له، وأدوات التخطيط التي يعمدون إلى الإستناد عليها، والمؤشرات الحيوية في قياس مدى تناسب هذه المناهج مع الحاجات التعليمية والتربوية المرصودة.

الإجابة على هذه التساؤلات هي نوع من عملية بناء تأسيسية جديدة للعمليات التربوية والتعليمية، وهي أشبه ما يكون إلى عملية حفر مداميك عميقة لمبانٍ ضخمة بين صخور عملاقة.

هذه التساؤلات هي بعض من مفاتيح عملية التغيير المفترضة لهذه المناهج حيث أننا لم نكن في مورد حصرها بل أكثر من ذلك، فقد تكون الإجابات التي تطرح تولّد نوعاً من الأسئلة المفتاحية لتساؤلات أخرى أشمل، ترمي بمجملها إلى عملية دفع تأسيسي لمنهجية جديدة في إعداد المناهج وتطويرها.  
 فبعد أن أصبح الوعي بالزمن كمتغير حيوي ينعكس على مجمل حياتنا اليومية ولم يعد يُنظر إليه أنه مُتغير ثانوي، أو قيد ظرفي تصنع فيه الأحداث، تقرع أذهاننا تساؤلات عدة أبرزها:

  1.  هل ثمة بديل عن المدرسة، أو مؤسسة رديفة تعالج الجانب التربوي والسلوكي للمتربين، وترتقي بهم إلى مصاف الإنسانية الفاضلة، التي تحفظ الإنسان وكرامته وعزّته، والروحية السامية، والمتسامية، وتمنحه الأنس والطمأنينة التي تليق به؟
  2. هل هناك تحوّل ما في الفسلفة أو الرؤية الكونية البشرية ولحياة الإنسانـ تستدعي إعادة النظر في الكثير من المسلمات التي يرتكز عليه المنظرون والمختصون في تخطيط وتصميم المناهج التربوية والتعليمة؟
  3. هل هناك تغيير جوهري في المعايير والمؤشرات التي نقيس من خلالها تقدم وتراجع أداء المؤسسات التربوية والتعليمية، وتميزها في الأداء والانتاج؟ هل تتبدل هذه المعايير والمؤشرات من أدوات تنميطية مستغرقة في الإجراءات الروتينية التفصيلية للعملية التربوية والتعليمية؟ أم أنها تتوسّع وتتعمّق بشكل أدق، يجعل من العملية التربوية والتعليمة ملائمة مع فلسفة وجود الإنسان وبعده الأخلاقي، والإنساني؟
  4. هل أنّ البرنامج الزمني الذي يقطعه المتعلم في دراسته منذ دخوله الى المدرسة (بعمر أربع سنوات) وتخرّجه منها إلى الجامعة بعد خمسة عشر عاماً أمرٌ لابد منه منه؟ ولابد من اجتيازه بتسلسل ترتيبي محدد؟ وأعوام متتالية منتظمة، ومقررات دراسية متلائمة معه زماناً ؟ وماذا عن هذه التصانيف في المراحل التعليمية بين الإبتدائية والمتوسطة والثانوية؟ هل تتلائم مع هذا القرن الذي تتلاحق فيه الصناعة والتغييرات آناً فآن؟
  5. إلى أي مدى يمكن لمخططي ومصممي البرامج أن يقوموا بوضع مناهج تربوية وتعليمية لمدة قد تتجاوز خمس سنوات في حين أن نفس هذه العملية التخطيطية قد تأخذ جهداً وعملاً متواصلاً قد يستغرق أكثر من المدة التي يستهدفها؟ كما أن الأفق التصوري لمصممي هذه المناهج الى أي مدى قادر على توقع المتغيرات التي تطرأ على العالم الجديد بعد خمس سنوات؟
  6. هل ما زلنا نحتاج إلى عملية تخطيط وتصميم منهجية طويلة الأمد ننتج بعدها مجموعة من الكتب التي لا تلبث أن تصبح بعيدة عن البيئة الظرفية والزمنية للمتعلم في زمن أقلع المتعلمون عن الكتاب الورقي مثلاً ولجؤوا إلى الثقافة الحديثة في المطالعة والقراءة والبحث؟
  7. هل أن استراتيجيات اعداد المناهج التي يمكن لمصممي والمخططين التربويين اعتمادها قابلة للثبات؟ أي أن استراتيجية الاعتماد على المعادلات العلمية في مادة من المواد التعليمية هل هي نفسها قابلة للثبات والتغيير؟ وإلى أي مدى يستطيع المعلم مواكبة كل ما هو جديد على هذا الصعيد؟
  8. هل نحن أمام تحدٍ -عند تصميمنا وتخطيطنا للمناهج- ذا منحيين: إما أن نذهب في المحتوى العلمي في التركيز على نمط ومهارات وقدرات التفكير المتعددة عند المتعلم ونجعل المعادلات والمعارف والمعلومات والبيانات العلمية لها ثانوية؟ وإما أن نركز في التصميم على المعادلات والمعارف والمعلومات والبيانات العلمية ونجعلها أساساً، بينما تكون المهارات وأنماط وقدرات التفكيرا أمراً ثانوياً أداتياً وسيلياً لتناول هذه المواد العلمية؟ حيث أن الزمن المتاح في العملية التعليمية اليومية يجعلنا أمام اختيار أحادي الجانب يجعل من استراتيجية الدمج بين هذين المنحيين عملاً انفعالياً خيالياً لا واقعياً.
  9. هل أن الجداول الزمنية المقررة للمواد العلمية على مدى السنوات التعليمية مع عدد الساعات التعليمية اليومية في التدريس والتي  تتراوح بين ست إلى سبع ساعات يومياً على مدى خمسة أيام في الأسبوع هي وحدها التي تصنع متعلماً متناسباً؟ في حين أنها أضحت محاطة بالملل والضجر من قبل المتعلمين والمعلمين على حدٍ سواء. إلى أي مدى يمكن تغيير وقت الحصة التعليمية (45دقيقة) التي أصبحت ظرفاً زمنياً ثقيلاً على المعلمين وضاغطاً في الوقت نفسه ففي حين أن كم المعلومات والأنشطة المقررة في الكثير من المواد هو أكبر بكثير من الأوقات المحددة في البرنامج الزمني الفصلي للدراسة، وأن هناك حصصًا تعليمية يبحث المعلم على الأنشطة التعليمية التي يمكن القيام بها في سبيل ملء الوقت ليس أكثر؟
  10. هل أن شكل المدرسة ونظامها الاعتيادي الذي قارب عمره 150 سنة هو قابل للاستمرار مع دخول التقنيات وشبكة الاتصالات والانترنت بكل مؤثراتها عالمنا اليومي المعاش؟ هل يمكن أن يكون هناك شكل للبيئة التعليمية والصفوف الدراسية ومرافقها المختلفة تحاكي متطلبات ومستجدات هذا القرن الجديد؟
  11. إلى أي مدى يتلاءم الناتج العلمي للمؤسسات التعليمية (أو مخرجاتها بشكل عام) من متعلمين ينظر إلى كفاءاتهم ودراستهم وإمكاناتهم العملية والعلمية، مع الواقع الاجتماعي وحاجاته من أفراد ينخرطون في خضم حياته اليومية، ويستطيعون أن يتفاعلوا مع كل مكوّناته الحيوية؟
  12. ما هي هوية الإدارة التعليمية من معلمي ونظار وأنماط قيادتها التي تتمحور حولها المؤسسة التعليمية؟ إلى أي مدى يكون لمتخرجي العقود الماضية بما يحتويه من تنميط ذهني ونفسي وتربوي يتلاءم أو لا يتلاءم مع العقود الماضية، فكيف يمكن أن يتلاءم مع العقود اللاحقة والمتلاحقة على نحو التسارع النوعي والكمي لمتغيراته؟
 
هذه التساؤلات وغيرها وما يمكن أن يتفرّع عنها، تدفعنا إلى وقفة تأمل مفصلية في مسار عملية إعداد وتخطيط وتطوير المناهج والبرامج التربوية والتعليمية.




أضيف بتاريخ :2016/08/18 - آخر تحديث : 2016/11/17 - عدد قراءات المقال : 2169