الى الاعلى

الإعلام الملتزم ودوره في التوعية على مخاطر الإتفاقيات الدولية والحد من إنتشار قيم العولمة.



الإعلام الملتزم ودوره في التوعية على مخاطر الإتفاقيات الدولية والحدّ من إنتشار قيم العولمة


1موقع الإعلام الملتزم في الخارطة الإعلامية العالمية

مع تعاظم دور الإعلام في ظل التطور الهائل لوسائل الإتصال حاول الإعلام الملتزم أن يجد لنفسه مساحة مناسبة تخوله لعب دور فعال ومؤثر على الخارطة الإعلامية، خصوصاً وإن مساحة هذه الخارطة توسعت تباعاً للتطور التكنولوجي لوسائل الإتصال وما زال هذا الإعلام الملتزم يجاهد في هذا السبيل وقد حقق نسبة من النجاحات إلا أنها ليست كافية في معركة التنافس القائمة على الساحة الدولية.
يملك الإعلام الملتزم حالياً عدد من الفضائيات والمواقع الإلكترونية والإذاعات والصحف قد لا تتجاوز نسبتها 5 % من الإعلام في العالم العربي والإسلامي. (الإذاعات والقنوات والمواقع الإلكترونية الخبرية المنضوية ضمن إتحاد الإذاعات والقنوات الإسلامية لا تتعدى المائتين) . بينما تقدم الأقمار الصناعية العرب سات والنايل سات خدمة البث لأكثر من 1700 قناة تلفزيونية  فقط ما عدا الإذاعات والمواقع الإلكترونية التي في غالبيتها غير ملتزمة والتي قد تتجاوز عدة الآف.
(المقصود بالإلتزم هنا هو التوجه الإسلامي المعتدل – والسياسي المناصر لخط المقاومة).
هذا هو واقع الإعلام الملتزم الذي يجب أن نتعرف عليه قبل الولوج والإنتقال إلى الحديث عن مخاطر الإتفاقيات الدولية وقيم العولمة.


2مخاطر الإتفاقيات الدولية خصوصاً المتعلقة بالمرأة

يمكن من خلال مراجعة سريعة لهذه الإتفاقيات لاسيما (سيداو) ومثيلاتها التي صدرت عن المؤتمرات الدولية المخصصة لشؤون المرأة نجد أبرز النقاط التي تشكل خطورة فكرية وثقافية وإجتماعية على مجتمعنا كالتالي:
أ‌- أنها تعتبر الدين وتشريعاته شكلاً من أشكال التحيز ضد المرأة.
ب‌- تدعو لنمط حياة للمرأة يقوم على الثقافة الغربية والمساواة المطلقة بين الجنسين دون إعتبار لأي خصوصية لأي منهما، ودون مراعاة لأي قيمة خلقية أو إنسانية أو أخلاقية (بما فيها الدعوة إلى الإعتراف بأشكال مختلفة ومتعددة للأسرة – والمقصود هنا الأسرة المثلية).
ت‌- الدعوة الصريحة للحرية الجنسية (وهي تشمل العلاقات الجنسية خارج إطار الزواج والسماح بالإجهاض – والإعتراف بزواج المثليين) وبالمناسبة هناك تحفظات على بنود كثيرة في هذه الإتفاقيات حتى من قبل دول غربية كالسويد مثلاً.
إن مشكلة الغرب عموماً في تشريعاته ورؤاه إتجاه القضايا التي تطرح في الساحة المعرفية والإجتماعية والثقافية أنه ينطلق من تجربته الخاصة وبيئته ومصالحه ويحاول الهيمنة على الآخرين في إنتاجه المعرفي والثقافي والإجتماعي وهذا هو وجه من وجوه العولمة وقيمها التي يحاولون فرضها على الآخرين، وكمثل على ذلك يتعاطى في موضوع المرأة إنطلاقاً من تاريخه المثقل بظلم المرأة وإضطهادها في العصور الماضية ونظرته الدونية لها من جهة ومن جهة أخرى من مصالحه الآنية التي أستجدت بعد الحروب العالمية الأولى والثانية التي دفعته إلى إستخدام المرأة كعنصر إنتاج في الثورة الصناعية وسط الآلات والماكنات التي كانت تدور في المصانع والمعامل الأوروبية والأميركية. ومن جهة ثالثة تم العمل لتحويلها إلى سلعة تستغل في السوق للترويج والكسب المادي (وبالخلاصة فإن المنطلق المادي هو الذي يحكم فلسفة النظرة الغربية للمرأة).
إننا لا نتفق مع هذه النظرة إلى المرأة حكماً – وهي نظرة تؤدي إلى المطالبة بإيجاد مساواة مطلقة مع الرجل في سوق العمل، وفي الأسرة، وفي كثير من الأمور الحياتية والإجتماعية. وهي نظرة تؤدي حكماً إلى وضع المرأة في موقع التنافس مع الرجل في الأدوار والمهام والمسؤوليات والحقوق والواجبات (أي الندية). بينما نظرة الإسلام للمرأة لا تنطلق من عقدة الندية أو المنافسة بين الرجل والمرأة بل من منطلق المساواة الإنسانية والتكامل في الأدوار {إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم(الحجرات:13)
 - {ولقد كرمنا بني آدم} (النساء: 70).
-{ولهنَّ مثل الذي عليهنَّ بالمعروف}(البقرة: 228) - لهنَّ الحقوق مثل الذي عليهنَّ.
-{اني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض}(آل عمران: 195) - المساواة في ميزان العدل السماوي.
-{والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر}(التوبة: 71)  - المسؤولية المشتركة في الآمر بالمعروف.
-{يا أيها الناس أتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً}(النساء: 1) - فضلاً عن الخطاب العام للقرآن / يا أيها الناس / يا أيها الذين آمنوا / يشمل الرجال والنساء.
إذاً هناك نظرة إسلامية مختلفة عن طروحات الغرب. وهي نظرة تعتبر المساواة الإنسانية أساساً لها، أما في الدور الإجتماعي في الحياة فهناك تكامل وتعاون وتوزيع أدوار تنسجم مع الطبيعة الخلقية والفيزيزلوجية لكل منهما.

 يقول القائد الإمام الخامنئي حفظه المولى:
إذا أردنا أن تكون نظرتنا إلى قضية المرأة نظرة سليمة ومنطقية ودقيقة فإن الشرط الأول هو أن نخلي أذهاننا بالكامل من تلك الأفكار التي يطلقها الغرب حول عمل المرأة والإدارة والمساواة الجنسية. 
ويضيف:"نظرة الإسلام إلى المرأة والرجل هي نظرة إلى الإنسان في مسألة الإنسانية وسير وسلوك المقامات المعنوية والإمكانات والإستعدادات الوافرة، فكرياً ومعنوياً وعلمياً لا يوجد أي فرق. ولكن القوالب جُعلت في قالبين: قالب لعمل خاص ونوع من العمل وقالب آخر لعمل آخر مختلف وبالطبع فإن هناك أعمالاً مشتركة أيضاً، هل نحن نقدم خدمة حين نخرج أحد القالبين من منطقته الخاصة ونأخذه إلى منطقة القالب الآخر؟
هذا هو العمل الذي يقوم به الغربيون. ان الكثير من المعاهدات الدولية والعالمية تهدف إلى هذه المسائل ولقد خربوا الحياة البشرية بناء على هذا الفكر الخاطئ، خربّوا أنفسهم ومن ثم يريدون أن يخربوا حياة الآخرين.
إن مسألة المرأة لا يمكن فصلها ولا تفكيكها عن مسألة الأسرة، إن آراد أحد أن يبحث في قضية المرأة منفصلة عن قضية الأسرة فإنه سيتعرض لإختلال في فهمها وكذلك في تشخيص العلاج والحلول المناسبة لها". (إنتهى كلام القائد). 
وهذا ما وقع به الغربيون في قضية المرأة، حيث أدّت النتيجة إلى تحطيم الأسرة.
أرى أنه من المهم جداً عدم التزام نفس المنهج الغربي في البحث والنقاش أي قضية المرأة، لأننا نختلف معهم في أصل المنهج الذي يعتمدونه للبحث في هذا الموضوع ولأننا نختلف معهم في الأصول والمباني والمرجعية الفكرية التي يستندون اليها في ملامسة هذا الموضوع.
نحن يجب أن نعتمد النصوص الإسلامية – من القرآن والسنة والحديث والمتون الإسلامية وكلمات الائمة عليهم السلام، وسلوكهم وسيرتهم – هذه هي الأصول والأسس التي نعتمدها كمرجعية فكرية في الإنطلاق لمناقشة الموضوع.
وهنا تكمن مسؤولية الإعلام الملتزم في إستحضار وترويج هذا الفهم الصحيح لقضية المرأة، وفضح الأفكار المناقضة لثقافتنا وإسلامنا التي تحاول المعاهدات الدولية والإتفاقات فرضها على دولنا ومجتمعاتنا.
كما يجب أن لا نخضع لهذا المنهج في التفكير، وأن لا نتحول إلى جهات تقف في موقف الدفاع عن نفسها في مواجهة الأفكار الغربية الهدامة بل يجب أن ننطلق من موقع الثقة بالنفس والتعاطي بطرح الموضوع بطريقة هجومية وليس دفاعية. فنحن نستند إلى مرجعية فكرية صلبة في هذا الموضوع، وهم يعترفون بتهافت طروحاتهم وأفكارهم بشأن المرأة فها هو غورباتشوف (آخر قادة الإتحاد السوفياتي) يقول: لقد إكتشفنا أن كثيراً من مشاكلنا في سلوك الأطفال والشباب وفي معنوياتنا وثقافتنا وفي الإنتاج تعود جزئياً إلى تدهور العلاقات الأسرية، وهذه نتيجة مناقضة لرغباتنا المخلصة والمبررة سياسياً لمساواة المرأة بالرجل في كل شيء. لذا نجري مناقشات جادة بخصوص ما يجب أن نفعله لنسهل على المرأة العودة إلى رسالتها النسائية البحتة.


3قيم العولمة والهيمنة الغربية:

على أي حال فإن قضية المرأة ونظرة الغرب لها التي كرستها الإتفاقيات الدولية، ليست الموضوع الوحيد الذي يحاولون من خلاله فرض ثقافتهم وقيمهم المادية على الآخرين فيها. فالعولمة كما يعرفها إسماعيل صبري: بأنها صياغة إيديولوجيا للحضارة الغربية من فكر وثقافة وإقتصاد وسياسة للسيطرة على العالم أجمع، بإستخدام الوسائل الإعلامية والشركات الرأسمالية الكبرى لتطبيق هذه الحضارة وتعميمها على العالم.
وتقوم عولمة القيم اليوم على ثنائية (العنف والجنس) في وسائل الإعلام وفي السنيما العالمية والفضائيات التي دخلت كل منزل. وكذلك على تنميط القيم ومحاولة جعلها واحدة عن كل البشر في المأكل والمشرب والعلاقات الأسرية وبين الجنسين وفي كل ما يتصل بحياة الإنسان الفردية والإجتماعية وخصوصاً قيم الإستهلاك التي تعتبر أحدى أهم ركائز إقتصاد العولمة وإنعكاساتها على القيم التي أشرنا إليها. وقد زاد من فعالية هذا الأمر التطور الهائل لوسائل الإتصال وسهولة إستخدامها وإنتشارها. وبالمناسبة فالأمر غير مقتصر على بلادنا العربية والإسلامية فحتى فرنسا تشكو اليوم من العولمة الثقافية للأمريكيين وتعبّر عنه (بالغزو الثقافي الأميركي).
فأميركا اليوم بشكل مباشر أو بشكل غير مباشر أي عبر المؤسسات الدولية والمنظمات العالمية، تقيم المؤتمرات والندوات لتعميم ثقافتها تحت عناوين براقة، مثل: حقوق الإنسان، وحقوق المرأة، والعنف الأسري والمجتمع المدني من العناوين التي تعتبر (كالسم في العسل) كالديموقراطية - والتربية على السلام والتسامح – وفوضى القيم هذا يستهدف عقول النخب كما يستهدف بشكل أساسي شريحتي الشباب والمرأة. وهي تعتمد على محورين أساسيين هما:
- التجارة العالمية (تدفق رؤوس الأموال إلى أسواق العالم).
- الإعلام الذي يحمل الثقافة والفكر ويعمل لإخضاع العالم لقيمها.
أمام هذا الواقع لابد من تحمل المسؤوليات من قبل الجميع لوضع خطة لمواجهته في مجتمعنا وتحصينه، وتبدأ أولاً من قبل دوائر إنتاج الفكر في الحوزات والجامعات والنخب المثقفة لوعي خطورة هذه القيم المعولمة على ثقافتنا وفكرنا. وتأصيل القيم والمفاهيم الخاصة بنا في كافة المواضيع ونشرها وإدخالها إلى المنظومة المعرفية في كل ساحات التعليم والمعرفة والتربية، ومن خلال وسائل الإعلام الملتزمة التي يجب أن تتحمل مسؤولياتها في عدم الترويج لثقافة الغرب المعولمة والعمل بالمقابل للترويج للثقافة الإسلامية الأصيلة على كافة الصعد والموضوعات لاسيما موضوع المرأة والشباب والأسرة.


                                                                                                                                                               الحاج عبدالله قصير
                                                                                                                                                         مدير عام مركز الأبحاث والدراسات.
                                                                                                                                                       
                                                                                

أضيف بتاريخ :2015/03/24 - عدد قراءات المقال : 1228