الى الاعلى

التربية بالقدوة في التربية الإسلامية


محاضرة تربوية : التربية بالقدوة في التربية الإسلامية

مقدمة المحاضرة كانت للدكتور يوسف أبو خليل :

في بداية الكلام أتوجه بالتحية الى روح المدير السابق للمؤسسة الاسلامية للتربية والتعليم ومؤسس مركز الابحاث والدراسات التربوية سماحة العلامة المجاهد الشيخ مصطفى قصير العاملي والى روحه  وروح امام الامة والشهداء ومن مات على حب محمد وال محمد نهدي الفاتحة مع الصلوات .
أيها العلماء الأفاضل، الأخوة والأخوات نرحب بكم جميعاً بإسم المؤسسة التربوية للتربية والتعليم وجمعية كشافة الإمام المهدي(عج) وبإسم مركز الأبحاث والدراسات التربوية شاكرين لكم تشريفكم وحضوركم.
إن التربية الإسلامية كانت وما زالت من المسائل الأساسية والملحة التي تواجه أهل الفكر وأصحاب الرأي، لا سيما في عالمنا المعاصر لأن سنخيتها هي التربية على القيم والأخلاق السمحة التي يدعو اليها الإسلام ، واذا أخذنا بعين الإعتبار التعاريف المتعددة للتربية الإسلامية يمكن إستخلاص التعريف الآتي حيث يقول الشهيد مطهري :" إن التربية الإسلامية هي عبارة عن إيصال كافة إستعدادات الإنسان في كافة الأبعاد والجوانب الشخصية اي الأبعاد العقلية والإجتماعية والعاطفية والأخلاقية الى فعلياتها ".
نرى من خلال ما تقدم أن التربية الإسلامية ليست التعليم الديني، فالتربية بمعناها الإسلامي: هي إعداد المسلم في كافة أبعاده الإنسانية، ومما لا شك ولا ريب فيه أن التربية بالقدوة هي من المسائل الأساسية الهامة التي نحن بصدد الإضاءة عليها ولا يمكننا أن نربي أبنائنا على التربية الإسلامية المطلوبة وإيصال إستعداداتهم من الفعل الى القوة بغض النظر عما نقوله او نفعله ولا تقتصر التربية على النظر الى ما قيل فقط، بل الى من قال. اذ أن في التربية مقولة " النظر إلى من قال وإلى ما قيل "، والقيمة المضافة للتربية الإسلامية عن التربية الغير إسلامية، أنها تنطلق من تربية الذات وتمتد الى تربية الآخرين وقد نهى الله المؤمنين عن التفاوت والإختلاف فيما بين أقوالهم وأفعالهم، عندما قال تعالى في سورة الصاف:"يا ايها الذين امنوا لما تقولون ما لا تفعلون كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون".
هذا ما نحاول الإجابة عليه في هذه المحاضرة التربوية، والتي يقدمها الأستاذ الجامعي والحوزوي سماحة الشيخ الدكتور علي رضا صادق زادة مشكوراً، وهو من العارفين في هذا الميدان كونه كان رئيس لجنة المباني الفلسفية للتربية والتعليم في الجمهورية الإسلامية في إيران وهو المتخصص في ميدان فلسفة التربية وعضو الهيئة العلمية  لجامعة "تربية مدرس" والمعاون الثقافي لجامعة المثقفين ونائب رئيس هيئة فلسفة التربية والتعليم في الجمهورية الاسلامية، ولا اطيل افساحاً في المجال للإستفادة القصوى من آرائه.
ولا أنسى في الختام أن أتوجه بالشكر للدكتور محمد ترمس المتخصص في التربية الإسلامية لتحميله عناء الترجمة على أمل إيصال المطلوب بحده الأقصى والحمد لله رب العالمين.


أما نص المحاضرة  التي ألقاها الدكتور علي رضا صادق زادة فهي على الشكل التالي :

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمان الرحيم الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله أجمعين.
أما بعد فقد قال سبحانه وتعالى في محكم كتابه الكريم :" لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا ".وقال الإمام الصادق(ع):" كونوا دعاة الناس بغير ألسنتكم ليروا منكم العمل ..... والإجتهاد ".
أنا مسرور جداً لحضوري في بلدي الثاني لبنان وبين الإخوة الأعزاء من الحضور الكريم العاملين في المجال التربوي، وأعتذر بأن هذه المحاضرة ستكون عبر وسيط ليترجم ما اقوله، وانشاء الله اذا تكرر سفري الى لبنان سأقوم بتحسين هذا الضعف الذي أعانيه في اللغة العربية وسأقوم بإلقاء المحاضرة مباشرة بنفسي بالعربية.
موضوع البحث الذي سأتناوله كما تفضل الدكتور يوسف أبو خليل هو " التربية بالقدوة في التربية الاسلامية " وهو على ما يبدو من أهم أساليب التربية في كافة الأنظمة التربوية، لا سيما فيما يخص تربية الأطفال والشباب ولكن كما تعلمون هناك مجموعة من الإنتقادات التي طرحت في عالمنا المعاصر مقابل هذا الأسلوب التربوي انه كيف يمكن لهذا الأسلوب أن يتم إجرائه وتنفيذه في عالمنا المعاصر، وبأن هذا الأسلوب تقليدي والمقصود هنا بالتقليدي أنه يقوم على تقليد الآخر ولا يقوم على الإرادة والوعي  وأنه لا يربي العنصر النقدي لدى الفرد، إنتقاد آخر وجه الى هذا الأسلوب من قبل المربيين والتربويين يسألون فيه كيف يمكن ان نجد الإنسان الكامل لكي يكون هو القدوة والمثل الأعلى.
الإشكالية الثانية التي يمكن طرحها على هذا الأسلوب أن التربية بالنمذجة تصبح عقيمة بعد أن يتجاوز الإنسان فترة الشباب لأن الشخص البالغ يصل الى مرحلة النضج بحيث يشعر بعدم الحاجة الى إتباع الأخرين ، اذاً موضوع التربية بالقدوة يواجه إنتقادات عملية ونظرية.
النظرية التي اريد أن أطرحها هي لماذا طرحت التربية بالقدوة في التربية الإسلامية وكيف يجب أن تكون،  ونحن في الحقيقة نسعى وراء تبيين دور القدوة وكيف يجب أن تكون التربية بالقدوة في ظل التربية الإسلامية.
من خلال هذه المقدمة أريد أن أدخل الى البحث مباشرة، وان أشرح اولاً ما تعنيه التربية الإسلامية إذ علينا أن نبين في البدء ماهية الخصائص التي تتمتع بها التربية الإسلامية ، ثانياً نبين أهم الخصائص والصفات التي يجب أن يتمتع بها المربي من وجهة النظر الإسلامية ، ثالثاً نذهب الى تبيين معاني التربية بالقدوة بناءً لمباني مشخّصة، رابعاً الأصول والمعايير التي توجهنا الى الإستفادة من هذ الأسلوب أي التربية بالقدوة، أي كيف يمكن لنا أن نطبق وننفذ هذا الأسلوب في عالمنا المعاصر.
إذاً هذا البحث يتناول أربعة أقسام أصلية، وفي نهاية البحث سوف نشير كيف يمكن للمسلمين أن يستفيدوا من حياة النبي(ص).



البحث الأول : خصائص التربية الإسلامية.
طبعاً ما سوف أعرضه حول خصائص التربية الإسلامية هو نتيجة وحاصل عدة أبحاث قمت بها على مدى سنوات حول التربية الإسلامية، والتي ساعدت على صعيد تدوين وثيقة التحول في إيران وشكلت مبنى لها. وهذا التحول يعتبر قسم أو جزء من التحول البنيوي التربوي في الجمهورية الإسلامية الإيرانية .
أعتقد بأن التربية الإسلامية لديها خصائص وصفات خاصة بها :
- الخاصية الأولى : التربية الإسلامية هي عملية تفاعلية أي هناك تفاعل بين المربي والمتربي .
- الخاصية الثانية : هي عملية إعدادية أي إنها تريد إعداد شخصية المتربي وإرتقائها وهذا التكوين والتشكيل للشخصية والإرتقاء يجب أن يتم بشكل متوازنٍ وعادل.
- الخاصية الثالثة : يجب أن تكون هذه العملية ضمن معايير النظام الإسلامي.
من خلال ما قدمناه يتبين لنا بأن ما نقصده من التربية الإسلامية هو أعم من التربية الدينية بالمعنى الخاص ، فالتربية الدينية بالمعنى الخاص هي جزء من التربية الإسلامية، وهذه التربية الخاصة فقط تقوم بترويج العقائد والأحكام الدينية أو ما يتعلق بالدين فقط، اما التربية الإسلامية بالمعنى العام فهي تشمل كافة أنواع التربية مثل التربية البدنية، التربية الفنية، التربية السياسية والإجتماعية والتربية العلمية، وكل هذه الأنواع من التربية هي ضمن نظام التربية الإسلامي أي التربية المبنية على أساس النظام الإسلامي، ولا تتعلق فقط بالتربية الدينية المحضة.
- الخاصية الرابعة : أن تكون عملية التربية هي لتوجيه المتربي ، والتوجيه أو "الهداية" في المعنى الإسلامي لها معنيين كما يشير العلامة الطبطبائي في الميزان:" الهداية أحد معانييها هي عرض الطريقة أما المعنى الثاني هي الإيصال الى المطلوب".
طبعاً هذا المعنى الى الهداية نراه في القرآن في حالتين الأولى عندما يقول سبحانه وتعالى :" إنا هديناه النجدين إما شاكراً إما كفورا " (سورة الإنسان)، وهنا في هذه الآية يتم هي عرض الطريقة، وهذا يدل على أن القرآن يهدي كافة الناس. وهذا النوع من الهداية هو العرض أو الكشف عن الطريق، أما المعنى الثاني للهداية في قوله تعالى: "ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين" (سورة البقرة)، او قوله تعالى :" وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ"(سورة العنكبوت)، هذه الآيات تدلنا أن للهداية نوع آخر بحيث أن المربي يأخذ بيد المتربي ويوصله الى المقصد ، إذاً من وجهة نظرنا فالتربية هي عملية للهداية بهذين المعنيين سواء بمعنى كشف وبيان الطريق أو بالإيصال الى المطلوب.
وللهداية مميزات خاصة بها فهي تختلف عن معنى الأخذ بالإجبار بل تتضمن معنى الإختيار والإنتخاب من قبل الفرد.
- الخاصية الخامسة : أن تكون العملية التربوية هي للإستعداد والوصول نحو الحياة الطيبة، ويقصد هنا بالحياة الطيبة  في كافة جوانب الحياة وهو مفهوم ذو مراتب، فالتربية الإسلامية لا تطل فقط على النسبة بين الفرد وعلاقته بالله تعالى أو بعلاقة الفرد مع المجتمع لأن الوصول نحو الحياة الطيبة يتضمن جوانب متعددة، وكما ذكرنا أن الحياة الطيبة مفهوم ذو مراتب اي أنه يبدأ من المراتب الدنيا التي يمكن لكافة الناس الوصول اليها حتى يصل الى المراتب الخاصة بالنخب أو الخواص.
بالعودة الى هذه الخصائص التي ذكرناها للتربية الإسلامية يبدو لنا أن دور التربية بالقدوة ظاهر وواضح جداً وأنا سأوضح مفهوم التربية بالقدوة بناءً للخصائص التي ذكرناها.
اولاً قلنا أن التربية هي حركة عملية وتفاعلية، وعندما نذكر كلمة عملية فهذا يعني أنه لا يمكن للتربية ان تكون آنية ودفعة واحدة لان خصوصية العملية أنها تتحقق ضمن فترة زمنية محددة، أما التفاعلية فهذا يعني أن التربية بالقدوة لا يكمن ان تكون من قبل المربي فقط دون أي دور للمتربي فهو من  يجب عليه أن يختار من هو قدوته. اذاً المتربي هنا لديه دور فعال في هذه العملية، وهكذا لا يمكننا أن نقوم بالنمذجة ونحن نتعاطى مع المسألة من خلال التقليد والإجبار.
ثانياً، لو إعتبرنا أن التربية هي فقط إنتقال للمهارة، وأن تكوّن هذه الشخصية هي الهدف النهائي للتربية عندها يتضح أهمية ودور التربية بالقدوة ، فلو نظرنا الى التربية على أنها فقط  نقل للمعلومات عندها يصبح دورالكومبيوتر في عالمنا المعاصر أهم من دور المربي، لكن التربية عبر الكومبيوتر لا يكون لها تأثير كتلك التي تكون وجهاً لوجه. في حين إن تكوين الشخصية  لا يكون إلا من خلال مواجهة شخصية أخرى خاصة إذا اخذنا بعين الإعتبار أن الشخصية التي نهدف للوصول لها هي شخصية متوازنة ومتعادلة، ونقصد "بمتعادلة" أي إن كافة الأبعاد من شخصية هذا المتربي يجب أن تكون منسجمة فيما بينها ومتعادلة، عندئذ يجب أن نضع أمام هذا المتربي شخصية  تتمتع بهذا التوازن والتعادل.
ثالثاً، إذا أردنا أن نقوم بهذا العمل ضمن النظام المعياري الإسلامي علينا أن نقوم بالتربية بالقدوة بالعودة الى عناصر هذا النظام المعياري أي علينا ان نقترح القدوة التي تكون مورد قبول من قبل هذا النظام وإن لم تكن محل قبول لديه، عندها علينا أن نرفض هذه القدوة.
رابعاً، إذا كانت التربية لأجل الهداية لا يمكن أن ندعو هذا الشخص للهداية بشكل مطلق دون أن يسأل لماذا وكيف، ويقول سبحانه:" أولئك الذين هداهم الله فبهداهم اقتدي"  فالله سبحانه وتعالى يطلب منا أن نهتدي بالذين اهتدوا لا بالعودة الى أي شخص بشكل مطلق، اذاً في فضاء التربية الإسلامية النمذجة أو التربية بالقدوة هي عمل لهداية الأفراد وهذا الأمر لا يمكن أن يحدث بالتبعية العمياء ودون أسئلة مثل  كيف ولماذا، القرآن الكريم عرّف لنا نوعين من الهُداة، وطلب منا أن نختار من هم أهل الهداية لنتبعهم.
خامساً، التربية هي استعداد للوصول الى الحياة الطيبة، وهذا الأمر اختياري وهنا يجب، بالعودة الى أسلوب التربية بالقدوة، أن يقبل الفرد هذه العملية بطريقة إختيارية على أن يكون هذا الإستعداد في كل المراتب والمراحل.
هذا كان القسم الأول من بحثنا، حيث بيّنا خصوصيات التربية الإسلامية وكيف تؤثر في التربية بالقدوة أما القسم الثاني من البحث فيرتبط  بخصائص ومميزات وصفات المربي فيما يتعلق بالتربية الاسلامية.
المربي من وجهة النظر الإسلامية هو الشخص الراشد، العطوف، والرحيم، الطالب للخير بحيث أنه بعد أن يكتسب اللياقات والمهارات الإجتماعية والفردية، وبعد أن يكون قد وصل الى بعض مراحل الحياة الطيبة بشكل متوازن، عندها يمكن أن يلقي على عاتقه مسؤولية هداية الآخرين وعلى المربي أن يكون أسوة وقدوة لنفسه، وكما يقول المثل المعروف " فاقد الشيء لا يعطيه "، ولا يمكن للمربي أن تقتصر عنده العملية التربوية على القول فقط بل يجب أن يقترن بالفعل،  وكما يقول الحديث الشريف "كونوا دعاة للناس بغير ألسنتكم" وهذا الحديث يشير الى ضرورة أن يكون الفرد قدوة لنفسه أيضاً، فلا يقول ما لا يفعله، وإذا لم نظهر هذه القدوة في أنفسنا فإننا لن نصل الى أي هدف.



بالعودة الى ما قد قلناه في القسم الثاني سوف أشير الى ثلاث معاني للتربية بالقدوة :
أولاً : أن يكون المربي قدوة لذاته بحيث يكون تجسيداً ملموساً لكل ما يقوله كما يقول الرسول(ص): "صلوا كما رأيتموني أصلي"، فكأن الرسول يقول للناس بأني ما دعوتكم للصلاة إلا لأني قمت بها أنا قبلكم ولن أنهاكم عنها حتى أنتهي أناعنها، إذاً التربية ليست أمر معرفي فقط أو عاطفي، بل في البداية على المربي أن يكون قدوة لنفسه ومربي لها، وهذا المعنى هو من أهم المعاني التي يتميز بها موضوع التربية بالقدوة، وهذه رسالة الى من يتولى مسؤولية المراكز التربوية التعليمية إذ عليهم أن يختاروا معلمين يتميزون بصفة المربي، فإذا قمنا بتوظيف معلمين على اعتبار أنهم خبراء في الرياضيات او الفيزياء او الكومبيوتر دون أن نعطي للمعايير الاخلاقية أو الاجتماعية أو المسلكية عندهم اي أهمية،  وفي حال كان هذا المعلم لا يهتم بهذه المعايير فإن كل ما قد بنيناه في مجال التربية الإسلامية سيقوم هو بهدمه، لأن الطلاب أو المتربين سوف ينظرون الى عمل معلمهم، لذا بقدر اهتمامنا بعلم ومهارات هذا الشخص علينا أن نهتم بأخلاقه وشخصيته.
من هنا يأتي الجواب على سؤال كيف يمكن أن نجد الإنسان الكامل إذ ليس من المفترض أن يقتصر الأمر على إنسان كامل خال من أي عيب فهو، كما قلنا، قد ربى نفسه الى حد ما، وهذا يشير الى أن هذا المعلم الذي نريد أن نستخدمه قد حصّل الى حد ما بعض الصفات الشخصية والأخلاقية فهو عندها أهل ليعلم، ولكن علينا أن نعلم أن هذا الشخص قد بلغ الرشد على كافة الأبعاد ولديه شخصية متوازنة ومتعادلة، قد لا يكون يصلي صلاة الليل مثلاً أو أنه لم يصل الى درجات علمية عالية لكنه متوازن في كل هذه الأبعاد، وعندما ينظر إليه المتربون يرون شخصية متوازنة متعادلة.
ثانياً : أن يختار المربي عدداً من الأشخاص القدوة ليعرفهم على المتربين، هذا النوع من التربية هو الأكثر إنتشاراً وشهرةً فيما بيننا، وهو من أحد المعاني المهمة للتربية بالقدوة لأنه في التربية الإسلامية نسعى لدعوة هؤلاء المتربين نحو الأشخاص القدوة والكاملين، ولا ندعوهم للإقتداء بنا بل علينا أن نجعلهم يقتدون بمن هم أرفع وأعلى منا في القدوة والأسوة والسعي اليهم.
فضلاً عن أهمية كافة الأساليب التربوية الأخرى، هذا الأسلوب مهم جداً بحيث أنه يعمل كمرآة للمتربي ليرى من هم أعلى وأرقى منه. وبرأي فان بحث الإمامة في الأدبيات الشيعية هو لتجلي الإنسان الكامل أمام المتربين فمن المفترض أن يكون إمامنا مقتدانا في العمل والإمام هو الشخصية الكاملة الذي يستطيع أن يأخذنا نحو الحق وأن يدعونا الى تلك القيم التي ذكرت بشكل ذهني في الأحاديث الشريفة والروايات وهنا يتضح معنى التبري والتولي أي نجد شخصاً نحبه الى درجة أننا نتبعه وهنا يصبح حب أولياء الله ضرورة للوصول الى الحق تعالى، كما قال سبحانه في كتابه:" قل لا اسألكم عليه اجراً إلا المودة في القربى" (سورة الشورى)، "قل ما سألتكم من أجر فهو لكم"(سورة سبأ)، " قل ما اسألكم عليه من أجر إلا ما شاء أن يتخذ الى ربه سبيلا" (سورة الفرقان). هذه الآيات الثلاث التي ذكرت في ثلاثة أماكن مختلفة في القرآن، وقد جمعت في دعاء الندبة، تدل على أن مودة أهل البيت بالنسبة لنا هي تحرك للوصول الى الله سبحانه وتعالى، وهذه الموالاة والمودة تشكل ركيزة للتحرك وتعود جذور هذه المحبة الى محبة الله كما يقول سبحانه:" إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله". إذاً محبة الله هي مقدمة لاتباع النبي(ص).
اذاً في الرؤية الإسلامية لا سبيل أمامنا للتربية سوى النظر الى الشخصيات العالية والراقية، وأن نوجه نظر المتربين الى هذه الشخصيات للإقتداء بها وعندها لن يلتفت المتربي الى شخصيتي انا كمربي، حتى وإن كنت اعاني من نقص ما، بل سيبقى نظره شاخصاً الى تلك الشخصية العالية، بل إن المتربي قد يقوم بنقدي انا كمربي من خلال تلك الشخصيات لأنها معصومة عن الخطأ وتشكل لي أنا المربي مثل أعلى. طبعاً في القرآن الكريم ذكرت نماذج أخرى حيث أن كل قصص الأنبياء التي ذكرت كانت لجعلنا نقتدي بالأخيار فإذا نظرنا الى أسلوب حياة النبي يوسف(ع) أو النبي نوح(ع) أو النبي يعقوب(ع) فإن كل أسلوب من هذه الأساليب هي درس لنا في الحياة " لقد كان لكم في قصصهم عبرة لكم، لقد كان في قصصهم عبرة يا أولي الألباب ".
 هذا الأسلوب الثاني في التربية بالقدوة مهم جداً ولكن في الوقت نفسه له عند التنفيذ بعض المخاطر أو الاضرار التي قد تنشأ عنه، لأنه في بعض الاوقات نقدم هذه الشخصيات العالية امام المتربي بحيث يصبح من الصعب الإقتداء به لأننا نصوره بأنه أعلى من الإنسان، لذا طلب الله تعالى من النبي(ص) أن يقول للناس : "إنما أنا بشر مثلكم" أي إنني أفضل إنسان ولكن لست أفضل من الانسان.
فإذا قدمنا القدوة على أنها شخصية لا يمكن الوصول إليها عندها سيصل المتربي الى اليأس في  الإقتداء أو التأسي بهذه القدوة، لذلك علينا أن نقوم بتقديم هذه الشخصيات القدوة ضمن شكل وإطار يمكن للمتربي أن يتأسى ويقتدي بها.
 برأي لعل ما ورد في بعض الأحاديث عن طلب بعض الأئمة من أصحابهم عدم إفشاء أسرارهم يعود الى هذه المسألة أي أن لا يصل الناس لليأس في عدم قدرتهم على اتباعهم أو التأسي بهم، والنبي (ص) والائمة عليهم السلام في مقام التربية جعلوا أنفسهم في مستوى المتربين بحيث أن المتربي الموجود في المراتب الدنيا يستطيع أن ينهل من النبي والأئمة الأطهار كلّ بحسب قدرته وسعته أو كما حصل مع الإمام علي(ع) عندما ربى كل من سلمان وأبو ذر بحيث كان بإستطاعة كل منهما أن ينهلا من أمير المؤمنين كلً حسب سعته.
الضرر الثاني الذي يمكن أن ينبثق عن هذا الأسلوب في التربية هو أن لا يتم تظهير القدوة على انها غير قادرة على مواكبة كل العصور بل يجب اعطاء أو خلق صورة لهذه الشخصيات على أنها قدوة سواء للحاضر أو للمستقبل، وكمثال نضربه حادثة حصلت مع الإمام الصادق(ع) عندما اعترض عليه سفيان الثوري على طريقة لباس الإمام طالباً منه أن يتمثل بما كان يلبسه جده الامام علي(ع)، فرد عليه الإمام "إنني أعيش في عصر مختلف عن عصر جدي وعليّ أن  أجاري عصري وأرتدي ما يرتديه الناس الذين يعيشون في عصري الحالي"، فلو لبس الإمام الصادق(ع) نفس طريقة اللباس التي كان يلبسها أمير المؤمنين سيستغرب الناس له وسيصبح تأسيهم به ضعيف، طبعاً هذا البحث طويل ومفصل وسأكتفي بهذا القدر منه.
وبالعودة الى أساليب التربية نصل الى الأسلوب الثالث وهو أمر خاص بالمربين اذ عليهم أن يقتدوا بالسيرة التربوية لأولياء الله  ويجب أن ينظروا الى كيفية التربية التي كان ينتهجها أولياء الله وآل البيت(ع) مثل السيدة الزهراء(ع) وكيفية تربيتها  لأولادها أو كيف كان أهل البيت يدعون أصحابهم نحو الحق، فهذا النوع من التربية ومن الإستفادة من السيرة هو أمر خاص بالمربين إذ عليهم أن يأخذوا ويقتدوا بالسيرة التربوية للأولياء، مثلاً كي ندعو أولادنا للصلاة علينا أن نلتفت كيف كان الإمام الصادق أو الإمام السجاد عليهما السلام يدعوان لها، والمهم في هذا الأمر ليس الهدف بل الأسلوب والطريقة للوصول الى الهدف ما يعني بأن علينا أن نجعل السيرة التربوية للأولياء قدوة لنا في التربية.
في الفترة الأخيرة في الحوزة العلمية في قم انبرى أحد العلماء وألف كتاباً خاصاً بالسيرة التربوية لأهل البيت (ع)، وعمل على  توضيح سيرة أهل البيت من نظرة تربوية، وهذا النوع من السيّر يختلف عن السيرة العسكرية أو الإدارية أو الإجتماعية لأهل البيت، ونحن كمربين يقع على عاتقنا مسؤولية أن نجعل طريقة تربيتنا متوافقة مع السيرة التربوية لأهل البيت.
لقد تناولنا فيما سبق ثلاث أقسام من التربية بالقدوة، وهذا جزء من القسم النظري لبحثنا، وتبركا بهذه الأيام حيث مناسبة ولادة رسول الرحمة محمد (ص)، ارتأيت ان نقرأ هذه الآية بتأنّ والتي تتمحور حول الرسول(ص): " لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا ".
بداية هذه الآية توضح لنا أن رسول الله(ص) هو أسوة لنا، ولكن لمن تحديداً، الجواب هو" لمن كان يرجو الله واليوم الآخر"، وكأن هذه الآية تقول لنا أن التأسي برسول الله لا يكون من نصيب إلا من كان لديه بعض المؤهلات لذلك، والمؤهلات هي أن يرجو الله واليوم الآخر ويذكر الله كثيراً، وعندما يقول الله تعالى أن لنا في رسول الله أسوة أي في كل أبعاد حياته وشخصيته ولا يشير فقط الى طريقته في العبادة أو في أسلوبه في الحرب والسلم، بل ايضاً في التربية.
هذه الآية تطلب منا أن نتخذ رسول الله كأسوة لنا في كل الأزمنة والعصور، ولكل المؤمنين السابقين واللاحقين أي دون تحديد زمان أو مكان محدد لهذا التأسّي.
سوف أقرأ جزء من خطبة القاصعة للإمام علي(ع) رقم 192 في نهج البلاغة، ففي وسط بحث كان يتناوله امير المؤمنين يقول: " لقد علمتم موضعي من رسول الله(ص) بالقرابة القريبة والمنزلة الخصيصة، وضعني في حجره وأنا وليد يضمني الى صدره ويكنفني في فراشه ويمسني جسده ويشمني عرفه فكان يمضغ الشيء ثم يلقمنيه وما وجد لي كذبة في قول ولا خاصة في فعل.
 ولقد قرن  الله تعالى به (ص) من لدن أن كان فطيماً أعظم ملك من ملائكته يسلك به طريق المكارم ومحاسن أخلاق العالم ليله ونهاره، ولقد كنت أتبعه اتباع الفصيل أثر أمه يرفع لي في كل يوم من أخلاقه علماً ويأمرني بالإقتداء به ".
هذه العبارة الأخيرة والتي قد التفتم اليها يوضح فيها امير المؤمنين العلاقة التربوية التي كانت بينه وبين النبي(ص)، وكما تعلمون فإن من العنايات التربوية التي أعطاها النبي لأمير المؤمنين، بانه كان كفيله. وبسبب فقر ابي طالب حضن النبي(ص) الامام(ع)، وأمير المؤمنين في هذه العبارات يشير الى مرحلة الطفولة التي عاشها في كنف رسول الله(ص).



انتهت المحاضرة

أضيف بتاريخ :2015/03/19 - عدد قراءات المقال : 2221